د. ليلى شمس الدين/ باحثة في الأنثروبولوجيا والإعلام
الخبر فعلًا: ليس ما حدث… بل كيف قيل لنا إنه حدث
في زمن الحرب، لا نعيش الحدث كما هو.. وإنّما نعيشه كما يُروى لنا.
غارة واحدة.. لكنّنا نغدو أمام ست روايات مختلفة. الخبر هنا يتحدّث عن القصف نفسه، ولكن بستة معانٍ متناقضة.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل الإعلام ينقل الحرب… أم يصنع معناها؟
دعونا نخوض معًا تجربة قصيرة… لكن كاشفة جدًا..
توقّف لحظة.. ليس كثيرًا… فقط بضع ثوانٍ. وتخيّل أنك فتحت شاشة الأخبار، وظهر أمامك هذا العنوان:
"عدوان يستهدف المدنيين"..
ثمّ في قناة أخرى: "تصعيد عسكري"..
وفي ثالثة: "مواجهة بين طرفين" ..
اللافت هنا، أنّ الحدث واحد.. والمكان نفسه.. والشهداء أيضًا أنفسهم..
لكن الوسيلة الناقلة تفعل فعلها لدى المشاهد والمتابع ..
هنا مربط الفرس.. ومكمن الاختبار..
ماذا شعرت في كل مرة؟.. هل يشتعل في داخلك غضب؟.. هل يتسلّل إليك خوف؟..
أم شعرت بشيء من الحياد.. أو حتى الارتباك؟..
خذ ثانية… وفكّر بصدق..
ما تغيّر لم يكن الحدث.. ما تغيّر هو الموقف المصاغ عبر الكلمات..
حينها تبدأ القصّة الحقيقية .. ليست قصة الحرب.. بل قصّة من يملك حق تسميتها..
السيادة.. لم تعد كما كانت
السيادة اليوم لم تعد تُقاس فقط بـحدود مرسومة على الخريطة ..
أو بجيش على الأرض.. ولا بقرار في القصر السياسي .. بل أصبحت ..بشكل خفي.. لكن حاسم..
القدرة على أن تقول للناس: ماذا يحدث… وكيف يجب أن يفهموه.
لنخض معًا تجربة جديدة.. محاولة لوضع النقاط على الحروف ..
عندما تسمع كلمة " عدوان".. أنت لا تتلقّى خبرًا..
أنت تدخل فورًا في عالم أخلاقي واضح: فهناك معتدٍ.. وهناك معتدى عليه..
وعندما تسمع كلمة "تصعيد".. فجأة، يصبح كل شيء أكثر ضبابية.. توتّر.. تطوّر.. سياق مفتوح..
ومع "مواجهة".. اللغة تغيّر موقعك بالكامل.. طرفان.. صراع متكافئ.. روايتان متقابلتان..
هل لاحظت ما حدث؟..
لم يتغيّر الواقع.. لكن تغيّر موقعك أنت داخله.. ومعها تأتي المفاجأة الأهم..
في كل مرة يتبدّل فيها اسم الحدث.. لا يتبدّل المعنى فقط..
بل تتبدّل السيادة نفسها.. لأنّ السيادة اليوم ليست فقط من يسيطر على الأرض..
بل.. من يسيطر على اللغة التي تشرح هذه الأرض..
والسؤال الذي يجب أن يبقى معنا.. في كل مرّة نشاهد فيها خبرًا..
لا تسأل فقط: ماذا حدث؟.. بل اسأل: من اختار هذه الكلمة… ولماذا؟
لأنّ المعركة الحقيقية.. قد لا تكون في الميدان فقط.. بل في الكلمة الأولى التي تصف ما حدث.
من يملك السيادة على معناها؟
توقّف لحظة.. وفكّر..
أنت تعتقد أنك تتابع خبرًا عن الحرب.. لكن في العمق.. هناك شيء آخر يحدث:
هناك من يحدّد لك.. بهدوء شديد.. كيف ترى وطنك.
ما الذي سُمح لك أن تراه؟
ليس كل ما جرى.. يظهر على الشاشة.. هناك دائمًا جزء غائب..
تفصيل حُذف.. أو صورة لم تُعرض.. وصوت لم يُسمع..
وهنا يبدأ السؤال السيادي الحقيقي: هل نملك نحن سردية ما يحدث.. أم نرى فقط ما يُسمح لنا برؤيته؟
كيف طُلب منك أن تفهم ما تراه؟
الصورة لا تأتي وحدها.. تأتي ومعها كلمة.. عنوان.. وتوصيف..
معنى مُحدَّد مسبقًا: عدوان؟.. تصعيد؟.. مواجهة؟
كل كلمة.. تعيد رسم موقعك داخل الحدث.. وهنا تتحوّل السيادة من: سيطرة على الأرض..
إلى.. سيطرة على تعريف الأرض… ومعناها..
ماذا شَعرت… وهل انتبهت؟
اسأل نفسك: هل شعرت بالقوّة؟ أم.. بالضعف؟ .. وبالصمود؟ .. أو بالهزيمة؟..
هذا ليس تفصيلًا نفسيًا عابرًا.. هذا هو الوجه العاطفي للسيادة..
لأنّ الدولة التي لا تملك تنظيم إحساس شعبها.. تفقد جزءًا من قدرتها على الثبات..
والنتيجة؟
حدث واحد.. لكن: وعي مختلف .. شعور مختلف .. وموقف مختلف ..
ليس فقط بين القنوات.. بل داخل المجتمع نفسه.. وبذلك.. تكمن المفارقة الأخطر ..
السيادة لا تُفقد دائمًا عبر الاحتلال.. أحيانًا.. تتآكل ببطء.. حين لا نعود نملك كيف نرى ما يحدث لنا..
أمّا السؤال الذي يجب أن يبقى معك.. في المرة القادمة التي تشاهد فيها خبرًا عن بلدك..
لا تسأل فقط: ماذا حدث؟.. بل اسأل: هل ما أراه يعزّز سيادتي… أم يعيد تعريفها من الخارج؟
لأنّ المعركة اليوم.. ليست فقط على الأرض.. بل على المعنى الذي يمنح هذه الأرض قيمتها..
المواطنة… حين تُختبر على الشاشة
توقّف لحظة.. وأخبرنا..
حين تشاهد خبرًا عن بلدك.. ماذا يحدث داخلك؟
هل تقول: هذا وطني؟ .. أم تسأل: ماذا يحدث لنا؟
وهل تشعر بشيء أبعد من ذلك: تردّد.. مسافة.. ارتباك؟
مع هذه التساؤلات.. تبدأ قصّة المواطنة الحقيقية..
فالمواطنة لم تكن يومًا ورقة رسمية.. أو نصًا في دستور .. أو حتى بطاقة هوية ..
بل هي، قبل كل شيء: إحساس عميق بأنّنا "نحن".. في مواجهة ما يحدث لنا..
لكن… من يصنع هذا الإحساس؟
في زمن الحرب.. الإعلام ليس شاهدًا.. الإعلام.. شريك..
حين ينجح الإعلام… ماذا يفعل؟
الإعلام لا يصرخ فقط.. ولا يهدّئ فقط..
بل يشتغل بدقّة:
يعزّز الثقة.. دون أن يخدع
يوضّح المسؤوليات.. دون أن يضلّل
يربط الفرد بالجماعة.. دون أن يذيبه
يخلق وعيًا نقديًا.. دون أن يكسر الانتماء
ماذا يحدث عندها؟
فجأة.. لا يعود الخبر مجرد خبر.. بل يصبح رابطّا ذو معنى مشترك.. ويزرع إحساسًا بأنّنا معًا..
عندها تولد المواطنة الحقيقية.. ليست كمفهوم.. بل كحالة..
مواطنة ترى.. تفهم.. وتسأل.. لكنها لا تتفكّك..
والأهم.. حينها..
نحصل على سيادة متماسكة… لأن شعبها يفهم نفسه وهو يواجه.
السؤال الذي يبقى في كلّ مرّة تشاهد فيها نشرة إخبارية..
اسأل نفسك: هل هذا الخبر يجعلني أقرب إلى "نحن" .. أم يدفعني بعيدًا عنها؟
المواطنة.. لا تُكتب فقط في الدساتير.. بل تُبنى.. كل يوم ..في الطريقة التي نُروى بها لأنفسنا.
ماذا يحدث حين يتعثّر الإعلام؟
توقّف هنيهة.. وارتقب..
فليس كل إعلام يبني.. بعضه.. من حيث لا يقصد ربما.. يُفكّك..
وحين يفشل الإعلام.. لا يكتفي بأن يُخطئ في نقل الخبر..
بل يبدأ.. بهدوء خطير.. في إعادة تشكيل الواقع بطريقة مُربِكة:
يضخّم الخوف.. حتى يصبح الإحساس أكبر من الحدث
يربك المعنى.. حتى لا نعود نعرف ماذا يحدث فعلًا
يساوي بين الضحية والفاعل.. فتضيع البوصلة الأخلاقية
يُعيد، أحيانًا.. إنتاج خطاب الخصم.. يفعل ذلك.. إن انتبه .. وربما دون أن ينتبه..
ماذا يحدث عندها؟
لا شيء يبدو واضحًا بعد الآن.. لا تماسك.. ولا معنى ثابت.. ولا ثقة مستقرّة..
ضبابية تنعكس على المواطنة المرتبكة.. ومعها تبدأ السيادة بالتآكل..
ليس عبر ضربة واحدة.. بل عبر تفكّك المعنى تدريجيًا..
تجربة ثانية.. جرّبها الآن
تخيّل أنك تنظر إلى خريطة على الشاشة.. وتحديدًا.. خريطة الجنوب..
وتسمع عبارة "مناطق ساقطة عسكريًا"..
توقّف.. واخبرني بماذا شعرت؟ هل شعرت أنك أصبحت تفهم الواقع أكثر؟
أم شعرت.. بصمت.. أنّ شيئًا ما يُسحب منك؟ سيطرة؟.. ثقة؟..أم إحساس بالمكان؟..
هنا لا تعمل الخريطة كأداة شرح… بل كخطاب.. خطاب يقول لك..دون أن يصرّح:
من يسيطر..ومن يتراجع.. ومن يُعيد تعريف الأرض..
هنا المفارقة..
ليست كل صورة تظهر.. فبعض الصور تُعيد ترتيب ما نراه داخلنا.
السؤال الذي يجب أن يبقى معك.. في المرة القادمة التي ترى فيها خريطة… أو عنوانًا… أو توصيفًا..
إسأل نفسك.. بصدق.. هل هذا يشرح لي الواقع.. أم يعيد تشكيل إحساسي به؟
فأخطر ما قد يفعله الإعلام.. ليس أن يُخيفك.. بل أن يجعلك تفقد وضوحك دون أن تشعر..
الإعلام… بين أن يُسندك أو يُثقل عليك
في لحظة الحرب.. الإعلام لا يقف على الحياد.. حتى صمته.. موقف.. وطريقته في العرض… قرار..
فليس المهم فقط ماذا يقولون… بل: ماذا يفعل هذا بك؟
وحين يكون الإعلام إسنادًا.. تشعر بذلك فورًا.. حتى قبل أن تفكّر فيه..
والفارق الحقيقي.. ليس في ما حدث على الأرض… بل في كيف عُرض عليك ما حدث.
الإعلام الرقمي.. حين لا يغلق الخبر بابه
في زمنٍ مضى.. كان للخبر نهاية واضحة.. يبدأ مع النشرة.. وينتهي معها..
تُطفأ الشاشة.. وينطفئ معه الحدث.. أو هكذا كنا نظن..
اليوم؟.. وإن حاولت أن تُغلق الخبر.. لكنه لا يُغلق.. يحدث شيء آخر..
خارج الشاشة: يُقتطع مقطع قصير.. يُعاد نشره.. و يُحمَّل بعنوان جديد..
يُغمر بالتعليقات.. ويُعاد تأطيره وبناؤه .. مرّة بعد مرّة..
فالخبر لم يعد لحظة..بل أصبح مسارًا حيًّا… يتكاثر… ويتحوّل… ويعيش خارج سيطرة مصدره الأوّل..
وهنا يبدأ التحوّل الأخطر..
الخبر .. لم يعد مجرد خبر عن الحرب… بل أصبح ذاكرة رقمية جماعية للحرب..
ذاكرة لا تُحفظ في الأرشيف فقط.. بل في هواتفنا .. ومشاركاتنا .. وتعليقاتنا .. وطريقتنا في إعادة روايته ..
وهنا تتغيّر الأدوار..
فأنت لم تعد فقط متلقّيًا .. بل غدوت في لحظة واحدة.. ناقلًا.. و مفسّرًا.. ومشاركًا في صناعة المعنى..
لكن ماذا يعني هذا للسيادة؟
توقّف هنا.. في كل مرة نضغط فيها "إرسال" .. نعيد تشكيل الخبر ومفاعيله من جديد..
وهنا تصاغ طبقة جديدة من الحرب..ليست على الأرض.. ولا على الشاشة فقط..
بل في المساحة بين ما نراه.. وما نشاركه..
فالحقيقة اليوم.. لا تُبثّ فقط.. بل تُصاغ جماعيًا.. مرّة بعد مرّة.. بأيدينا نحن..
وتغدو السيادة هنا .. على المعنى .. سيادة موزّعة بين ملايين الفاعلين..
عندها نقترب من فقدان القدرة على توحيد فهم الخبر ..
وتصبح السيادة.. سؤالًا مفتوحًا على من يملك الكلمة الأخيرة..
حين تُقيد الكلمات.. ماذا يحدث للسيادة؟
قبل أن تُغلق هذا المقال.. هناك مشهد لا يُمكن تجاهله ..
دولةٌ تتعرّض لاعتداء.. وفي الوقت نفسه تُعلن.. على لسان مسؤول فيها..قيودًا على الكلمات..
فحذار أن تذكر مصطلح "المقاومة"..
وحذار أن تستخدم توصيف من يعتدي عليك .. ويحتل أرضك وفضاءك باسم "جيش الاحتلال"..
إجراءات.. يُراد لها أن تبدو للوهلة الأولى، تقنية.. من تنظيم لغة.. إلى توحيد خطاب.. وربما إدارة رسالة..
لكن.. هل الأمر بهذه البساطة فعلًا؟
حاول أن تنظر أعمق قليلًا..
حين تُمنع كلمة.. هل نمنع الصوت فقط؟.. أم نُعيد تشكيل المعنى الذي كانت تحمله؟

واقع يتسرّب إلى قلب السيادة..
السيادة يا سادة.. ليست فقط أن تحمي حدودك .. أو تدير مؤسّساتك ..
بل أيضًا.. أن تملك حق تسمية ما يحدث لك… كما تراه أنت.
ولكن.. ماذا يحدث عندما يتغيّر الاسم؟ وحين يتحوّل "الاحتلال" إلى توصيف محايد .. و"المقاومة" إلى كلمة غائبة ..
عندها.. نحن لا نعدّل قاموسًا… نحن نعيد ترتيب موقعنا داخل الصراع..
هنا تبدو المفارقة الأكثر حساسية..
فالدولة قد تسعى إلى التهدئة .. وضبط الإيقاع ..أو تجنّب التصعيد..
لكنّها، في الوقت نفسه.. قد تجد نفسها.. دون أن تنتبه ربما.. تُقيّد أحد أهم أشكال سيادتها..
السيادة على المعنى..
في منطق الخطاب.. ما لا يُقال.. يتراجع، وما يُعاد تسميته.. يُعاد فهمه ..
وما يُحذف..قد يختفي من الوعي تدريجيًا ..
هكذا.. لا يتغيّر الخبر فقط.. بل يتغيّر إدراكنا لأنفسنا داخل هذا الخبر.
ما لا يمكن القفز فوقه..
هل يمكن لدولة أن تدافع عن سيادتها.. وهي تعيد ضبط الكلمات التي تُعبّر عن موقعها في هذه المواجهة؟
ربما لا يوجد جواب واحد.. لكن ما يكشفه هذا المسار بوضوح:
أنّ المعركة على السيادة….. لا تبدأ من الحدود.. بل من اللغة التي تصف هذه الحدود.
أحيانًا.. لا يبدأ تآكل السيادة حين تُمسّ الأرض فقط.. بل حين.. لا نعود أحرارًا في أن نسمّي ما يحدث لنا.. كما نشعر به..
فأخطر ما يمكن أن يُفرض علينا.. ليس واقعًا جديدًا فقط.. بل لغة جديدة.. نُجبر على أن نفهم بها هذا الواقع..
في النهاية.. ربما لا يبدأ فقدان السيادة حين تُحتل الأرض فقط.. بل حين..لا نعود قادرين على أن نسمّي ما يحدث لنا.. كما هو.
يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاوزه..
هل يمكن لدولة أن تحافظ على سيادتها.. وهي تُقيّد الكلمات التي تعبّر عن موقعها في الصراع؟
ويبقى أيضًا.. تأكيد المؤكّد: أنّ الحرب تُخاض بالسلاح.. لكنها تُحسم بالمعنى..