لماذا يتعلّق النازحون بقشة؟

post-img

علي بدر الدين (صحيفة البناء)

يقول المثل الشعبي “انّ الغريق يتعلّق بقشّة”، والنازح كذلك، مع أنّ هناك مثلاً يقول: “القشة التي قَصَمَت ظهر البعير”، لاعتقاده بأنّ القشة هي أمله الوحيد بالعودة إلى الديار والنجاة، علّها تنقذه من الغرق والضياع، لأنّ البدائل بنظره أقلّه لغاية اليوم معدومة أو مفقودة، ولا منقذ له سوى التمسك بهذا الخيار الضعيف جداً إذا لم نقل المستحيل، وقد يقبل بأيّ حلّ أو فرصة متاحة لخلاصه من النزوح وتداعياته.

النازح يعي تماماً أنّ خياره خاطئ وصعب التحقّق وقد تكون ارتداداته خطيرة عليه وعلى الوطن برمته .

من حق هذا النازح أن يأمل ويحلم بالعودة القريبة لأنه بدأ يشعر بثقل النزوح والغرق في وحوله، وبات يعاني ويتألم ويشعر بالذلّ وقد طال نزوحه، وقد يطول حبل بقائه في مكانه ومبيته في مراكز الإيواء والشوارع والخيم منتظراً “حصّة” من هنا أو وجبة أرز ساخنة من هناك أو ربطة خبز “بايتة” من هنالك، حتى أنه يعاني جداً عند قضاء حاجته الشخصية التي تحتاج إلى “وساطة”.

هذا النازح “المعتّر” لا يُلام لأنّ قدرته على التحمّل باتت صفراً وقواه الجسدية هزُلَت، ومدّخرات قرشه الأبيض ليومه الأسود تبخّرت، وقد بلغ مرحلة متقدّمة من اليأس والإحباط، وتحوّل إلى إنسان من قش لا حول له ولا قوّة، وأصبح قابلاً للإشتعال بأي لحظة، مع أنه يعلم في قرارة نفسه أنّ اليأس هلاك واحتضار بطيء، وقد قيل لبعض النازحين “إنكم بيأسكم وقهركم ستموتون ببطء”، فأجابوا: “هل تريدون أن نموت بسرعة، ولماذا تستعجلون موتنا؟”

ما أودّ قوله إنّ النازحين اليائسين البائسين والمُحبَطين نعم يتعلّقون بقشة لإنقاذهم قبل فوات الأوان، خاصة أن لا معطى موجود ولا مؤشر يطفو ولا حلول مهما كانت تبدو بالأفق القريب والمتوسط، ولا أحد من السلطة يقول لهم الحقيقة، ولا مَن يواسيهم ويقف إلى جانبهم ويعينهم على الصمود والتحمّل الذي فاق طاقتهم وإمكاناتهم، وليس أمامهم سوى انتظار ما ستؤول اليه المباحثات والمفاوضات الإيرانية الأميركية والوساطة الباكستانية والدخول الروسي والصيني المستجدّ على خط الوساطة، والمباحثات اللبنانية “الإسرائيلية” الثالثة في واشنطن ماذا سيتمخضُّ عنها إذا تفاءلنا ستولد فأراً، لأنّ العدو الإسرائيلي يرفض أيّ وقف لعدوانه القاتل والمدمّر والمهجّر على لبنان إلا بشروطه التعجيزية، وهذا ما لن يقبله لبنان، لأنّ هذا العدو الإسرائيلي يريد استسلاماً لبنانياً تحت ضغط النار وليس سلاماً .

النازحون الموجوعون يلجأون إلى “المحللين السياسيين والعسكريين والاستراتيجيين والخبراء في “علم السياسة والتفاوض” علّهم يسمعون منهم ما يعينهم على الصبر والأمل، مع انهم يعرفون تماماً أنّ أغلبهم منافقون وممثلون ومتخصّصون بالصراخ والضرب على طاولة الحوار ورمي بعضهم بأكواب المياه وبالكراسي، ويشتمون ويسبّون بعضهم البعض بهدف جذب أكبر عدد من المشاهدين لينالوا مرتبة الشهرة كلّ في شارعه وبيئته. (البعض وليس الكلّ)، علماً بأنّ اتفاقاً حصل بعدم وضع أكواب الماء من الزجاج على طاولة الصراخ، وتمّ استبدالها بـ “بسطل (دلو) ماء وكيْلة” إذا “غصّ” أحد الضيوف، أو”بحّ” صوته أو “تشردق” فيأتونه بالسطل “ليبلّ ريقو اللّي نشّف من الصراخ الانفعالي”. يعني تمثيلية قد يكون متفق عليها مع المحاور والله أعلم!

النازحون المقهورون باتوا كذلك يلجأون إلى ليلى عبد اللطيف وأم عباس لمعرفة ماذا ينتظرهم وما هو مصيرهم ومتى يعودون إلى قراهم وبيوتهم.

ليلى قالت في إحدى المقابلات معها “إنّ الحرب ستكون لعدّة أشهر”، في حين توقعت أم عباس “بأنّ الحرب ستنتهي في 17 حزيران المقبل من هذا العام…” وتمنّت “أن تكون النهاية قبل ذلك”، عملت حساب لخط الرجعة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد