حمزة الخنسا (صحيفة الأخبار)
عاد الليطاني إلى واجهة النقاش الإسرائيلي مع تصاعد الحديث عن السيطرة على المرتفعات المشرفة عليه واستهداف البنية المائية المرتبطة به. النهر الذي يشكّل أحد أهم الموارد الاستراتيجية للبنان لم يكن يوماً مجرّد تفصيل عسكري في الحسابات الإسرائيلية، فمنذ أكثر من قرن يتقاطع عنده الأمن والمياه والحدود والعقيدة، ما يجعل أيّ حديث عن إعادة تشكيل جغرافيته أبعد من كونه مجرّد خطة ميدانية عابرة
لم تأتِ الدعوات الإسرائيلية إلى احتلال هضبة النبطية والسيطرة على عدد من الجسور فوق نهر الليطاني ربطاً بالجانب العسكري من الحرب فقط، بل أُرفقت بحديث عن ضرورة قصف سدّ القرعون وإعادة المياه إلى مجرى نهر الليطاني «بدلاً من البحيرة التي هي عليها اليوم»، بحسب دعوة الباحث والمحلّل العسكري الإسرائيلي أور فيالكوف.
وهو طرح يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتعلّق بموقع الليطاني في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، بوصفه مورداً مائياً ارتبط تاريخياً بمشاريع الحركة الصهيونية المبكرة، وتداخل في العقود الأخيرة مع سرديات دينية وتوراتية تتبنّاها قوى اليمين الديني المتطرّف في إسرائيل.
الليطاني كسلاح حرب
من الناحية العسكرية، تبدو هذه الأفكار جزءاً من النقاش الإسرائيلي الدائر حول كيفية التعامل مع البنية العسكرية للمقاومة جنوب لبنان. فمن وجهة نظر المحلّلين العسكريين الإسرائيليين أمثال فيالكوف، يحقّق تفجير سدّ القرعون بعد السيطرة على الجسور وهضبة النبطية أهدافاً ميدانية استراتيجية في الحرب القائمة حالياً والتي يجد الجيش الإسرائيلي صعوبة كبيرة في حسمها. ويأتي إغراق «المدينة التحت - أرضية» للمقاومة على رأس تلك الأهداف.
فجيش الاحتلال يقول إن وادي الليطاني (والأودية المتفرّعة منه كالسلوقي والحجير) يضم شبكة هائلة من الأنفاق والمخابئ ومنصات إطلاق الصواريخ التابعة للمقاومة. وتفجير السد سيؤدي إلى إطلاق «تسونامي» نهري يكتسح مجرى الليطاني، ما سيؤدي إلى غمر وتدمير البنية التحتية التحت - أرضية للمقاومة في الأودية، وجرف الألغام والعبوات.
ومن الأهداف المهمة أيضاً تشكيل خندق دفاعي. فإسرائيل تريد تحويل نهر الليطاني إلى «مانع مائي طبيعي» هائج وغير قابل للعبور. وبعد تدمير الجسور والسيطرة عليها، وترك المياه للتدفّق بقوة وكثافة في مجرى النهر، ليصبح من المستحيل على قوات المشاة والإمداد التابعة للمقاومة عبور النهر من شماله (البقاع وإقليم التفاح) إلى جنوبه لإمداد القوات العالقة جنوب الليطاني.
ويبقى تدمير الاقتصاد والبنية التحتية في لبنان من الأهداف الإسرائيلية الدائمة. فسدّ القرعون يشغّل محطات توليد طاقة كهرومائية (مثل محطة عبد العال - مركبا) ويروي مساحات شاسعة من البقاع والجنوب. وتدميره يعادل تدمير شريان الحياة الاقتصادي والزراعي والمائي للبنان، وهو جزء من «عقيدة الضاحية» الهادفة إلى كيّ الوعي اللبناني بتدمير مقدّراته القومية.
حلم قديم
أهمية الليطاني في المخيّلة الإسرائيلية لا تقتصر على الحسابات العسكرية. ذلك أن النهر ورد مع بدايات المشروع الصهيوني، وذُكر في الوثائق والمذكّرات التي ناقشت حدود «الوطن القومي اليهودي» وموارده المائية. فخلال «مؤتمر السلام» في باريس عام 1919، قدّمت المنظمة الصهيونية العالمية مذكّرة تضمّنت تصوّراً لحدود الكيان المنشود آنذاك، شمل مناطق تقع شمال الحدود التي رُسمت لاحقاً، ووُضع الليطاني في صلب النقاشات المتعلّقة بالموارد المائية الضرورية للدولة الجديدة.
كما عبّر عدد من قادة الحركة الصهيونية الأوائل، وبينهم دافيد بن غوريون، عن اهتمام خاص بمياه الليطاني ومصادر المياه الإقليمية الأخرى، معتبرين أنها تشكّل عنصراً حيوياً في مستقبل إسرائيل الاقتصادي والزراعي. وفي السنوات الأخيرة، عاد البعد التوراتي إلى الواجهة في مقاربة قضايا الأرض والحدود، إذ تتبنّى تيارات الصهيونية الدينية قراءات تعتبر أجزاء من جنوب لبنان امتداداً لما تسمّيه «أرض إسرائيل التاريخية»، مستندة إلى تفسيرات دينية وحدودية تعود إلى نصوص توراتية قديمة.
ورغم أن الموقف الرسمي الإسرائيلي لا يتبنّى هذه التصوّرات بشكل علني، إلا أنها باتت تحظى بحضور متزايد داخل دوائر التأثير السياسي والاستيطاني.
بهذا المعنى، تبدو تصريحات فيالكوف كجزء من سياق فكري واستراتيجي معروف يمنح نهر الليطاني أهمية استثنائية بوصفه خطاً دفاعياً ومورداً مائياً وموقعاً جغرافياً حاكماً. وبعد عودة الاحتلال الى مواقع كثيرة مثل قلعة الشقيف، تبدو هذه الطروحات أكثر من مجرد آراء أكاديمية معزولة، إذ تعكس استمرار حضور النهر في المخيّلة الاستراتيجية الإسرائيلية، سواء باعتباره عقدة أمنية أو هدفاً مائياً أو جزءاً من سردية تاريخية ودينية لم تختفِ تماماً من المشهد السياسي الإسرائيلي.