معتز منصور - كاتب وباحث سياسي
حين انتقلت الضربات من الأهداف العسكرية إلى منشآت الطاقة ومرافق التصدير، بدا واضحًا أن المواجهة تجاوزت حدود الرسائل المتبادلة بين إسرائيل وإيران. إذ إن استهداف البنية الاقتصادية لا يهدف إلى إيقاع خسائر مادية فحسب، أيضًا يتوخى إعادة صياغة البيئة السياسية المحيطة بالحرب ورفع كلفة الحياد ودفع القوى الإقليمية إلى إعادة تموضعها ضمن اصطفافات جديدة. بقدر ما كانت "تل أبيب" تراهن على استنزاف إيران، كانت تراهن أيضًا على إنتاج واقع سياسي جديد يضع الخليج في قلب المواجهة، لا على هامشها.
غير أن ما كشفته التطورات اللاحقة هو أن الرهان على توحيد الإقليم، خلف المشروع الإسرائيلي، اصطدم بحقائق أكثر تعقيدًا من التصورات التي حكمت حسابات اليمين الإسرائيلي. إذ حين توسعت دائرة الردود، لم تتعامل طهران مع الضربات على أنها صادرة من إسرائيل وحدها، لقد عدّتها أيضًا جزءًا من شبكة عمليات تستند إلى بنية عسكرية أمريكية منتشرة في المنطقة، الأمر الذي أدى إلى توسيع نطاق المواجهة وربطها بالمنصات والقواعد التي وفرت الغطاء والدعم للعمليات العسكرية.
في موازاة التصعيد العسكري، جرت محاولة سياسية وإعلامية لتقديم المشهد على أنه تعبير عن اصطفاف خليجي موحد ضد إيران. غير أن الوقائع أظهرت شيئًا مختلفًا. الإقليم الذي حاولت "تل أبيب" تصويره على أنه كتلة سياسية واحدة، تحكمه في الواقع حسابات متباينة ومصالح غير متطابقة. بينما ظهرت دولة الإمارات العربية بصفتها الطرف الأكثر انسجامًا مع المقاربة الإسرائيلية إزاء الحرب، اختارت السعودية وقطر وسلطنة عُمان الحفاظ على مسافة من مشروع التصعيد، انطلاقًا من تقدير مختلف لمخاطر الانخراط في مواجهة مفتوحة لا تضمن حدودها ولا نتائجها.
في هذا السياق؛ تكمن إحدى المفارقات التي كشفتها الحرب. بينما كانت إسرائيل تسعى إلى تحويل الصراع مع إيران إلى قضية إقليمية جامعة، كانت عواصم الخليج الأكثر تأثيرًا تتعامل معه – أي الصراع- بصفته حربًا تخص الحسابات الإسرائيلية أكثر مما تعبر عن أولويات الأمن الخليجي. لذلك، لم يكن رفض الانجرار إلى المواجهة تعبيرًا عن اصطفاف مع طهران، بقدر ما كان رفضًا لتحويل المنطقة إلى ساحة تخدم مشروع اليمين الإسرائيلي ورهاناته.
في مقابل هذا الواقع، برز خطاب عربي وإعلامي حاول التحدث باسم الخليج كله، وكأن المنطقة اختارت بالإجماع التموضع خلف نتنياهو. إلا أن هذا الخطاب بدا أقرب إلى التعبير عن اصطفافات أيديولوجية منه إلى توصيف حقيقي لمواقف الدول. إذ إن الفارق كبير بين حسابات الدول التي تزن مصالحها وفقًا لمعايير الأمن والاستقرار، وبين نخب سياسية وإعلامية ربطت رهاناتها بالمشروع الإسرائيلي، وتعاملت مع الحرب بصفتها فرصة لإعادة تشكيل المنطقة وفقًا لرؤية نتنياهو.
قد تكمن المفارقة الأهم، في المعركة؛ أنها لم تعد تدور حيال حجم الدمار الذي يستطيع كل طرف إيقاعه بالآخر، بل حيال القدرة على فرض تفسير سياسي للحرب نفسها. إسرائيل لم تكن بحاجة إلى مجرد انتصار عسكري؛ لقد أرادت انتصار السردية، والتي تجعل من مواجهتها مع إيران معركة إقليمية تخوضها المنطقة بأسرها. حتى الآن، تبدو النتائج أقرب إلى الإشارة بأن دائرة النار اتسعت، لكن دائرة الإجماع التي سعت "تل أبيب" إلى بنائها بقيت أضيق بكثير مما أرادت، وهو ما يكشف أن توسيع الحرب لا يعني بالضرورة توسيع التحالفات، وأن امتلاك القوة لا يكفي دائمًا لفرض الرواية.