حين يكتب الدم في لبنان وإيران فجر الانتصار

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

 

في ظلال الشهر الحرام المحرّم، تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ، وتتحول الذاكرة من مجرد استعادة لواقعة أليمة جرت في العام 61 للهجرة، إلى واقع حيّ ينبض في عروق القرى اللبنانية والمدن الإيرانية. هذا العام، لم يعد البكاء على الإمام الحسين مجرد طقس للعزاء، لقد صار لغة للميدان، ومنهجًا للصمود في وجه آلة الحرب التي تظن أن النار قادرة على إحراق العقيدة، أو أن الركام كفيل بهزيمة الإرادة. إننا نعيش اليوم لحظة تاريخية فارقة، حيث تُعاد صياغة مفاهيم القوة والضعف والانتصار والهزيمة، وفقًا لموازين ليست مادية، إنما هي موازين الروح التي استلهمت من ملحمة كربلاء سر البقاء.

كربلاء من الذكرى التاريخية إلى المعايشة الميدانية

لم تعد كربلاء هذا العام مجرد خيام تنصبت لتستعيد غياهب التاريخ، هي جرح مفتوح على امتداد الأرض. في كل بيت لبناني دمره العدوان الإسرائيلي الغاشم، ثمة "خيمة" محترقة تروي حكاية الصبر والتحدي. في كل أم تودع ابنها الشهيد في القرى الحدودية، نرى ملامح  السيدة زينب التي حوّلت الانكسار إلى بلاغة تتحدى الطغاة في عقر دارهم. إن التحولات الميدانية التي شهدها ويشهدها العام 2026، وتحديدًا في المواجهات الكبرى التي اندلعت في آذار/مارس وما تلاها، أثبتت أن الروح الكربلائية ليست شعارًا عاطفيًا يُرفع في المجالس، بقدر ما هي منظومة استراتيجية متكاملة تدير الصراع الوجودي.

لقد تحول كل طفل، في غزة ولبنان، إلى عبد الله الرضيع طفل الإمام الحسين الذي ذبح من الوريد إلى الوريد، إلى شاهد حي يرفع براءته المذبوحة إلى السماء، ليس استجداءً للرحمة من عدو نزعت من قلبه كل معاني الإنسانية، إنما توثيقًا لظلم تاريخي سيؤدي حتمًا إلى زوال الظالم مهما تجبر. إن دماء هؤلاء الأطفال ليست مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية، وليست دموع أمهاتهم علامة هزيمة، هي "عهد صامت" وميثاق غليظ بأن يبقى الحق حيًا، وأن تكون ذاكرة المظلومين أقوى من ترسانة السلاح النووي والطائرات المسيرة.

راية الوفاء التي لا تساوم

في الجبهات الممتدة من تلال جنوب لبنان الصامدة إلى خطوط المواجهة الاستراتيجية في المنطقة، يبرز "العباس" ، في كل مقاتل مرابط يحمل راية الوفاء ولا يساوم عليها تحت وطأة التهديد أو الحصار. هؤلاء الرجال الذين يمشون إلى الخطر بقلوب مطمئنة ونفوس راضية، يدركون يقينًا أن الكرامة عند الأحرار أغلى من العمر، والحياة تحت ظل الظلم هي الموت الحقيقي. إن الماء الذي حُرم منه العطاشى في كربلاء ما يزال يجري في عروق هؤلاء المقاومين إباءً وعزيمة، حيث يفضلون العطش والشهادة على الركون لمطالب العدو أو المساومة على ذرة تراب من سيادة الأرض.

أما "علي الأكبر"، فصوته ما يزال يجلجل في الميدان بأصوات الشبان المقاومين الذين يرتقون شهداء الواحد تلو الآخر، مؤكدين بدمائهم القانية أن طريق الحق لا يُقاس بعدد الجراح، بل بصدق الموقف وثبات الخطى. الشعار الخالد الذي رفعه علي الأكبر حين قال لوالده الحسين: "أو لسنا على الحق؟ إذًا لا نبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا"، صار هو القاعدة الذهبية والعقيدة العسكرية التي تدير العمليات في جنوب لبنان في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. في هذا المنظور، يتحول الموت من نهاية بيولوجية إلى جسر عبور نحو الخلود، ومن فشل عسكري إلى انتصار استراتيجي يغير وجه المنطقة.

فلسفة "انتصار الدم على السيف" في الفكر المعاصر

لطالما كانت مقولة "انتصار الدم على السيف" التي أطلقها الإمام الخميني (قدس) تمثل الركيزة الفكرية والعمود الفقري للثورة الإسلامية وحركات المقاومة. واليوم، نرى تجلياتها العظمى في الصمود الأسطوري الذي يبديه الشعبان اللبناني والإيراني. العدو، الذي يمتلك القوة العسكرية المفرطة والغطاء الدولي والتقنيات التكنولوجية الأكثر تقدمًا في العالم، يظن واهمًا أن القتل الممنهج والتدمير الشامل يمحو إرادة الشعوب أو يكسر شوكتها. لكنه يصطدم في كل مواجهة بحقيقة صلبة مفادها أن "في هذه الأرض رجالًا ونساءً تربوا على أن الكرامة لا تُشترى بالمال ولا تُسلب بالقوة".

إن الانتصار، في المفهوم الكربلائي، لا يُقاس بميزان الربح والخسارة المادي الضيق، ولا بعدد الكيلومترات التي قد يحتلها العدو مؤقتًا، هي تقاس بميزان البقاء الأخلاقي والسياسي والقدرة على الاستمرار في الرفض. عندما تفشل آلة الحرب الإسرائيلية، بكل ما تملكه من دعم أمريكي مطلق، في كسر إرادة القرى اللبنانية التي تنهض من تحت الركام لتعيد بناء نفسها وترفع رايات المقاومة من جديد، وعندما تفشل الضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية والاغتيالات الغادرة في ثني إيران عن مواقفها المبدئية، نكون أمام تجسيد حي لـانتصار الدم. هذا الدم الذي سُفك دفاعًا عن الحق، تحول إلى طاقة معنوية هائلة ونور يهدي الأجيال الصاعدة نحو طريق التحرير.

تحولات النصر الحالي من الخيام المحروقة إلى فجر العدالة

ما نشهده اليوم من تحولات جذرية، في موازين القوى الإقليمية، ليس وليد الصدفة أو نتيجة حسابات سياسية عابرة، هو الثمرة المرة والحلوة في آن لصبر الثكالى وعزم المقاومين الذين لم تلن لهم قناة. الخيام التي تحترق في مخيمات النزوح، والبيوت التي تُهدم فوق رؤوس ساكنيها، لم تكن يومًا في الوجدان المقاوم علامة على الانكسار، لقد كانت دائمًا منبتًا للرجال ومصنعًا للأبطال. لقد تعلمت الأجيال الحالية من مدرسة الحسين أن الرأس قد يُرفع على الرمح، لكن راية الاستسلام لا تُرفع أبدًا في ساحة الوغى.

في لبنان، تحول الوجع الناجم عن الفقد والدمار إلى بصيرة سياسية وعسكرية نافذة، وأصبح الصبر الاستراتيجي طريقًا معبدًا نحو استعادة الكرامة الوطنية. المقاومة التي واجهت العدوان الواسع في العام 2026، أظهرت مستوى من التنسيق والصلابة لم تكن مراكز الدراسات العسكرية الغربية تتوقعه. هذه الصلابة ليست مجرد تدريب عسكري متقدم، هي مستمدة من اليقين المطلق بأن بعد كل عاشوراء فجرًا تشرق فيه شمس الحرية، وبعد كل دمعة ذُرفت ظلمًا انتصارًا يقر عيون المظلومين. إن التلاحم العضوي بين الجبهات في لبنان وإيران، والدعم المتبادل الذي يتجاوز الحدود السياسية والجغرافية، يعكس وحدة المصير الكربلائي الذي يجمع الأحرار كلهم في هذا العالم.

في هذا العام المثقل بالفواجع والانتصارات في آن؛ نشعر أن كربلاء أقرب إلينا من أي وقت مضى"، حتى كأننا نسمع صهيل الخيول في الوديان ونرى ثبات الفرسان في عيون المقاتلين. إننا نلتمس من جراح كربلاء دواءً لجراحنا النازفة، ومن يقينها الراسخ سكينة لقلوبنا التي أثقلتها الهموم.. نتعلم كل يوم كيف يتحول الألم إلى أمل، وكيف يصبح الموت في سبيل الله حياة أبدية للأمة ورفعة للدين والوطن.

المراجع والمصادر المعتمدة:

  1. القرآن الكريم: الآيات التي تؤسس لمنطق النصر الإلهي للمستضعفين (سورة القصص، الآية 5: "وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ").
  2. خطابات الإمام روح الله الخميني: "صحيفة نور"، المجلدات المتعلقة بمفهوم "انتصار الدم على السيف" ودور عاشوراء في بناء الشخصية المقاومة.
  3. مركز الإسلام الأصيل للدراسات: بحث بعنوان "فلسفة عاشوراء في الفكر المقاوم المعاصر" (بيروت، 2023).
  4. شبكة الجزيرة الإعلامية: تقارير ميدانية وتحليلات عسكرية حول "حرب مارس 2026" وتداعياتها على موازين القوى في الشرق الأوسط.
  5. هيئة الإذاعة البريطانية (BBC Arabic): تقارير حول التوتر الإقليمي بين إيران وإسرائيل وتطورات الجبهة اللبنانية (تغطية يونيو 2026).
  6. مجلة "نصوص معاصرة": دراسة نقدية للدكتور علم صالح حول "سيكولوجية النصر في العقل الجمعي الشيعي" (العدد 68، 2022).
  7. مركز (True Studies) للأبحاث: ورقة تحليلية بعنوان "أبعاد التنسيق العسكري بين حزب الله وإيران في مواجهات 2026".
  8. الأرشيف الثقافي لمؤسسة الشهيد: مجموعة "وصايا شهداء الدفاع المقدس والمقاومة" وربطها بالقيم الحسينية.
  9. العتبة الحسينية المقدسة: تقارير حول حملات "تضامن الأحرار" لدعم النازحين في لبنان (إصدارات مارس-أبريل 2026).
  10. د. علم صالح (أستاذ الدراسات الإيرانية): سلسلة مقابلات حول "مفهوم الاستقلال السياسي والصمود في وجه القوة الصلبة" (مايو 2026).
  11. موقع "أوراق ثقافية": مقال "الإمام الحسين قائد المحور.. نهجه في إيران وعباسه في لبنان" (2025).
  12. جريدة "الأخبار" اللبنانية: مقالات رأي وتحليلات سياسية حول رمزية عاشوراء في الخطاب السياسي للمقاومة (أعداد محرم 1447هـ/2025-2026م).

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد