بدأت محكمة الجنايات المركزية في لندن، الاثنين، محاكمة الطالبة الجامعية سارة كوت بتهمة الإرهاب عبر إبداء للدعم لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" والتضامن مع المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي. وفي بداية الجلسة، أشار القاضي إلى الأحداث الحالية في الشرق الأوسط منذ بداية ما وصفه بـ"الهجوم على إسرائيل" في السابع من أكتوبر/تشرين أول عام 2023. وطلب القاضي من هيئة المحلفين، وعددهم 5 محلفين و7 محلفات، النظر في الأدلة في القضية وليس إلى أرائهم الشخصية المحتملة بشأن ما يحدث في المنطقة.
استبعاد محلّفيْن
كما نبه كل محلف إلى ضرورة الإبلاغ عن أي صلة له بكلية "ساوس" أو أي من جماعاتها الطلابية أو جماعة "محامون من أجل إسرائيل"، أو الجيش الإسرائيلي. واستبعد القاضي محلفة بعد أن أبلغته بأنها درست العلوم السياسية، وكتبت بحثًا به آراء قوية بشأن فلسطين، كما أعفى محلفًا آخر قال إنه لن يكون محايدًا، غير أنه لم يُكشف عن السبب. وجرى استبدال المحلفين الاثنين. ووصف القاضي القضية بأنها "قصيرة نسبيًا" وتوقع أن يتنهي نظرها أوائل الأسبوع المقبل على أبعد تقدير. وفي حالة إدانة سارة، التي تدرس الاقتصاد السياسي الأفريقي، ستواجه السجن لمدة قد تصل إلى 14 عامًا، حسب قانون مكافحة الإرهاب.
بدت سارة، الطالبة في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية "ساوس" في جامعة لندن، في قفص الاتهام الاثنين، هادئة متماسكة. وكانت ترتدي سترة سوداء وتنورة بنية، وتعلق صليبا على صدرها. في الجلسة التي خصصت لعرض الاتهامات، استعرض الادعاء الأحداث منذ السابع من أكتوبر/تشرين أول عام 2023. وأشار إلى عدد القتلى والمصابين الإسرائيليين فيما وصفه بهجمات "لعبت فيها حماس الدور الرئيسي".
كما عرض ممثل الادعاء رسائل كتبتها سارة على حساب للدردشة على واتساب أنشأته مجموعة جامعية، وفيها عبرت عن "التضامن الكامل مع المقاومة الفلسطينية"، كما شرح ما قالته الطالبة في اجتماع للمجموعة نفسها حضره ما بين 70 و80 شخصًا تعبيرًا عن تأييد حركة حماس والمقاومة الفلسطينية.
أقر الادعاء بأن سارة لم تذكر حماس بالاسم، لكنه قال إنه هذا ليس ضروريًا لارتكاب مخالفة تتعلق بتأييد منظمة محظورة، إلا أن ما قالته الطالبة هو بالفعل تأييد لحماس وإن لم تحددها. وأضاف أن سارة كانت على علم بأن حماس جماعة محظورة في بريطانيا باعتبارها "جماعة إرهابية". وزعم الادعاء أن الطالبة "لا تُحاكم هنا على أراء أو أفكار شخصية عبرت عنها في مجال خاص"، بل بالتعبير العلني عن المساندة لحماس. وكانت سارة، 22 عامًا، قد نفت في الجلسة التمهيدية للمحاكمة في شهر إبريل/نيسان الماضي التهمتَين الموجهتَين إليها.
تظاهرة مساندة
بينما كانت الجلسة مستمرة، تظاهر عدد من أنصار فلسطين والمناهضين للاستعمار والطلاب من جامعة "ساوس" أمام المحكمة. ورفعوا أعلام فلسطين، ورددوا هتافات "الحرية لفلسطين"، "نحن جميعًا بالآلاف والملايين فلسطينيون"، و"المقاومة مشروعة طالما بقي الاحتلال". وطالب المحتجون بإسقاط التهم عن سارة وغيرها من الأشخاص الذين يحكامون بسبب احتجاجهم على جرائم الإبادة الجماعية في فلسطين.
قال متظاهر يُدعى بيتر فولكر إنه يؤيد سارة لأنها "تساند المقاومة التي لا يجب اعتبارها إرهابًا"، وطالب، في حديث لـ"العربي الجديد"، بإلغاء قانون مكافحة الإرهاب. وعبر عن ثقته في أن هيئة المحلفين "سوف تبرّئ سارة من التهم". وقالت المتظاهرة آني أوكونر من "الجماعة الشيوعية الثورية"، إنها تشارك في الاحتجاج تأييدًا لسارة "لأنها تُحاكم من أجل الفلسطينيين، ومن أجل حركة فلسطين"، وقالت لـ"العربي الجديد" إنه "من الضروري أن ندعمها".
نُظم الاحتجاج من جمعية "حاربوا العنصرية. حاربوا الإمبريالية"، التي ترأسها سارة، و"المجموعة الشيوعية الثورية". وشارك فيه أعضاء بمنظمات من بينها الشبكة اليهودية الدولية المناهضة للصهيونية في المملكة المتحدة. ورفع المتظاهرون لافتات تطالب بمقاطعة إسرائيل والدفاع عن التظاهر من أجل فلسطين.
بدت سارة واثقة من تأثير التأييد الذي تلقاه. وأبدت ارتياحًا وتقديرًا للمظاهرة التي شارك فيها المساندون لها أمام المحكمة. وقالت إنها "تأمل أن تسير الأمور على ما يرام". وبعد انتهاء الجلسة، انضمت سارة إلى المتظاهرين، وسط هتافات التأييد. وهتفت بالحرية لفلسطين من النهر إلى البحر. ودعت إلى مواصلة "القتال وعدم التراجع". وقالت "عندما نظهر أننا لا نُردع، سوف ننهض، ولن ننتكس، وسوف نملك الجرأة على تحقيق الانتصار. إسرائيل سقطت أرضًا".
بدأت قضية سارة وهي فرنسية من أصل إثيوبي في يناير/كانون الثاني عام 2024، عندما داهمت شرطة مكافحة الإرهاب منزلها فجرًا وقبضت عليها للتحقيق معها، ثم أفرج عنها بكفالة على ذمة التحقيق. وجاء ذلك على خلفية إلقائها خطابًا في الحرم الجامعي في أكتوبر/تشرين الأول 2023 أمام اجتماع عقدته جمعيتها الطلابية. وخلال خطابها، أعلنت الطالبة رفضها لحرب الإبادة الإسرائيلية في فلسطين وتأييدها لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي. واُعتقلت سارة بعد بلاغ من جماعة "محامون من المملكة المتحدة من أجل إسرائيل" إلى شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية. وتضمن البلاغ فيديو لخطاب الطالبة أمام الاجتماع.
في بلاغها أشارت الجماعة، وهي إحدى منظمات اللوبي الإسرائيلي في بريطانيا، إلى تعبير سارة عن "التضامن المطلق مع المقاومة الفلسطينية التي تحرّرت من سجنها المفتوح في غزة، وتنتفض في أرجاء أرض محتلة، ضد الدولة الصهيونية التي تستنزف فلسطين منذ ما يقارب ثمانين عامًا". حسب البلاغ، أضافت سارة أنه "مضى على وجود إسرائيل 27540 يومًا، ولكن في أقل من يوم واحد، كادت المقاومة المسلحة العادلة أن تُسقطها أرضًا". ولم تذكر سارة اسم حركة المقاومة الإسلامية "حماس".
حرية التعبير "مبدأ راسخ"
في أوائل مارس/آذار 2025، وجهت إدارة الإرهاب في النيابة العامة البريطانية إلى سارة تهمة تقديم الدعم لمنظمة محظورة. من ناحية أخرى، شنّت جماعة المحامين حملة على جامعة لندن لرفضها فصل سارة بعد تقديم شكوى ضدها إلى إدارة الجامعة. وفي بيان على موقعها على الإنترنت، نقلت الجماعة عن الجامعة تأكيدها "التزامها بحرية التعبير والعمل" باعتباره "مبدأ راسخًا".
في ما يتعلق بإشارة الجماعة إلى مخالفة الطالبة للقانون، قالت الجامعة، في ردها على الشكوى في منتصف مارس/آذار 2025، إنه "عندما تكون الآراء المُعبر عنها غير قانونية، سنتخذ الإجراءات اللازمة وفقًا للقانون". وردًا على طلب فصل سارة، قالت الجامعة إن الطالبة "لم تُدن بعد، وهذا الأمر من اختصاص المحكمة فقط. وحتى الآن، لم تصدر المحكمة حكمها في هذه القضية".