المحروقات في لبنان… حين ينخفض النفط عالمياً ويبقى المواطن يدفع الثمن!

post-img

عباس قبيسي (صحيفة البناء)

في بلدٍ اعتاد أن يدفع ثمن الأزمات أكثر مما يدفع ثمن الحلول، يبقى ملف المحروقات واحداً من أكثر الملفات حساسية، لأنه لا يرتبط فقط بسعر صفيحة البنزين أو المازوت أو قارورة الغاز، بل يلامس يوميات اللبنانيين وحركة الاقتصاد والإنتاج، ومع كلّ انخفاض عالمي في أسعار النفط، يعود السؤال ليطرح نفسه، لماذا لا يترجم هذا التراجع في السوق اللبنانية بالشكل الذي يخفف الأعباء عن الناس؟

اليوم، ومع تراجع سعر برميل النفط عالمياً إلى حدود 75 دولاراً، وهو مستوى أقلّ مما كان عليه قبل الحرب الأميركية ـ الإيرانية في 28 شباط 2026، كان من المفترض أن ينعكس هذا الانخفاض بشكل واضح على أسعار المحروقات وتركيب جداولها في لبنان، لكن الواقع يشير إلى أنّ المواطن لا يزال يدفع الثمن بأسعار مرتفعة، وسط علامات استفهام كثيرة حول آلية التسعير وحجم الفارق الكبير بين الأسواق العالمية والسوق المحلية.

هذا الواقع يدفع إلى اعتبار أنّ الأسعار الحالية أصبحت تشكل عبئاً وضغطاً كبيراً على اللبنانيين وعلى القطاعات الإنتاجية، خصوصاً النقل والزراعة والتجارة والصناعة، وما يحصل اليوم لا يعكس التراجع العالمي، وأنّ أسعار المحروقات كان يُفترض أن تنخفض إلى مستويات أدنى بكثير مما هي عليه اليوم.

فالتراجعات الأخيرة المخجلة التي شهدتها جداول الأسعار، والتي تراوحت بين 15 ألف و 21 ألف ليرة للصفيحة الواحدة، تبقى محدودة جداً إذا ما قورنت بالزيادات التي سبقتها في فترة الارتفاع، والتي تخطت في بعض المراحل حدود 200 ألف ليرة للصفيحة الواحدة، ما يعني أنّ الانخفاض لم يعالج الفارق الكبير الذي نشأ خلال الأشهر الماضية.

والأرقام تكشف حجم هذا الفارق بوضوح، ففي 3 آذار 2026، بلغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان نحو 1,824,000 ليرة، بينما وصل في 23 حزيران 2026 إلى نحو 2,291,000 ليرة، أي بزيادة تقارب 467,000 ليرة للصفيحة الواحدة, أما البنزين 98 أوكتان، فارتفع من 1,867,000 ليرة إلى 2,309,000 ليرة، في حين سجل المازوت ارتفاعاً أكبر، إذ انتقل من 1,411,000 ليرة إلى 1,938,000 ليرة، أي بزيادة تجاوزت 527,000 ليرة، رغم التراجعات العالمية التي طرأت أخيراً على الأسعار.

المشكلة هنا لا تتوقف عند الأرقام، لأنّ كلّ ارتفاع في أسعار المحروقات يتحوّل سريعاً إلى ارتفاع في كلفة النقل وأسعار السلع والخدمات وكلفة الإنتاج الزراعي والصناعي، مما يضيف أعباء جديدة على المواطن الذي يعيش أصلاً تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والمعيشية والمالية المتلاحقة منذ العام 2019.

انّ المطلوب اليوم لا يقتصر على إصدار جدول أسعار جديد، بل يبدأ بوضع آلية واضحة وشفافة لتركيب جدول التسعير، تضمن أن يلمس المواطن انعكاس التراجعات العالمية بشكل عادل، لأن أكثر من 80 بالمئة من اللبنانيين باتوا تحت خط الفقر والحلقة الأضعف في معادلة ترتفع فيها الأعباء باستمرار فيما تبقى قدرتهم على الصمود هي الثمن الذي يدفعونه من جيوبهم، ففي الوقت الذي تنخفض فيه أسعار النفط عالمياً…

يبقى السؤال أين يذهب هذا الفارق؟ ولماذا يبقى اللبناني يدفع ثمن التأخير في تصحيح الأسعار بدل أن يلمس نتائج التغيّرات انخفاضاً كما يلمسها ارتفاعاً في الأسواق العالمية؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد