بقاء بلا مظلة… كيف أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية تعريف البقاء في الخليج؟

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

لم يعد أمن الخليج يُدار بمنطق المظلة، أصبح بمنطق إدارة الانكشاف داخل بيئة غير مستقرة تتغير باستمرار. ليست هذه جملة نظرية بقدر ما هي انعكاس لواقع يتغير تحت الأقدام؛ أكثر مما يُعلن على الطاولات. الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية لم تعد حدثًا يمكن فصله عن الإقليم، لقد أصبحت شكلًا من أشكال الحياة السياسية فيه، حرب لا تنتهي ولا تتوسع بالكامل، لكنها تبقى مشتعلة بما يكفي لإعادة ضبط الإيقاع العام من حين إلى آخر.

في هذا السياق، لم يعد الخليج خارج الصراع ولا داخله بالكامل، إنما في منطقة رمادية دقيقة، أقرب إلى مساحة توازن قسري. المظلة الأمريكية، والتي كانت يومًا ما رمزًا للفصل بين الخليج والنار، لم تعد تعمل بالطريقة نفسها. هي لا تزال حاضرة، لكن حضورها لم يعد يعني الغياب عن الخطر، بل إدارة درجة القرب منه.

ما حدث، خلال المواجهات الأخيرة لم يكن مجرد تصعيد بين واشنطن وطهران أو بين إسرائيل وإيران؛ لقد كان أقرب إلى إعادة ترتيب صامتة للأدوار داخل مشهد أكبر. الولايات المتحدة تتحرك داخل نظام أمني يفقد تدريجيًا قدرته على الحسم، وإسرائيل تدفع الإيقاع نحو حدود أعلى مما يمكن للإقليم امتصاصه، وإيران ترد بقسوة لكن بطريقة لا تُغلق الحرب، ولا تسمح بانفجارها الكامل. في هذا التداخل، لا يبقى أي طرف خارج الصورة، بل جميعهم داخلها بدرجات مختلفة من التأثير.

في قلب هذا المشهد، لم تعد الموانئ ومنشآت الطاقة وخطوط الملاحة، وحتى المجال الجوي، مجرد بنى تحتية. لقد أصبحت نقاطًا حساسة في شبكة واحدة غير مرئية من الردع. الخليج، في هذا المعنى، لم يعد مساحة جغرافية آمنة نسبيًا، لقد أضحى مساحة تُقاس فيها التوترات لحظة بلحظة، وكأنها جهاز قياس دائم للاهتزاز الإقليمي.

إن العلاقة مع الولايات المتحدة نفسها لم تعد كما كانت. التحالف لم يتغير في بنيته، لكن تغير في وظيفته. القواعد العسكرية والتحالفات والانتشار البحري، لم تعد خطوط فصل واضحة، لقد أصبحت جزءًا من المشهد الذي قد يتحول في أي لحظة إلى عنصر من عناصر الخطر ذاته. هذا انتقال صامت في المعنى أكثر منه في الشكل.

في المقابل، تنظر إيران إلى الخليج بوصفه أكثر من مجرد جوار جغرافي. هو جزء من البنية التي تتعامل معها بوصفها امتدادًا للنظام الغربي في الإقليم. لذلك؛ لا تبقى أدوات الضغط محصورة في ساحات القتال التقليدية، تمتد أيضًا إلى البحر والطاقة والممرات الاقتصادية، وكل ما يجعل هذا الجزء من العالم قابلًا للحركة أو التوقف.

أما إسرائيل، فإن إعادة صياغة ما تعتقده لأمنها الإقليمي جعلتها أكثر ارتباطًا بما يحدث خارج حدودها مما يبدو أحيانًا. هذا الارتباط لا يظهر فقط في السياسة، أيضًا في الاقتصاد والأسواق والملاحة وثقة المستثمرين، وهي عناصر قد تبدو بعيدة عن الحرب؛ لكنها تتأثر بها بسرعة غير متوقعة.

وسط هذا كله، لم يعد الخليج مجرد ساحة تتلقى ارتدادات الصراع، لقد أصبح مكانًا يُعاد فيه توزيع أثره. أحيانًا يمتص الصدمة، أحيانًا أخرى يعيد توجيهها، وأحيانًا يختبر حدود المسافة بينه وبينها. وهذا بحد ذاته تحول في طبيعة الفعل السياسي من انتظار النتائج إلى محاولة التأثير في شكلها.

لكن خلف هذه الحسابات الدقيقة، هناك شعور أقل ظهورًا في التحليل السياسي، لكنه حاضر في الواقع: إدراك متزايد بأن الزمن الذي كانت فيه "المظلة" تعني الطمأنينة الكاملة قد انتهى. لم يعد الأمر يتعلق بغياب الحماية، بل بتغير معناها. إذ إن الضمانات لم تعد مطلقة، والردع لم يعد يمنع الحرب، بل يعيد تشكيل شكلها وإيقاعها.

لهذا تتحرك الدول الخليجية، اليوم، داخل مساحة أضيق مما يبدو، لكنها أكثر تعقيدًا أيضًا. هي ليست في تراجع، ولا في اندفاع، بل في في وضع من إدارة مستمرة للاحتمالات، كأنّ كل قرار محاولة لتقليل مفاجأة الغد أكثر مما هو محاولة لصناعة اتجاه بعيد.

في هذا السياق؛ يظهر التحول الأعمق: من السعي إلى توسيع النفوذ، إلى السعي إلى تقليل الانكشاف. ليست مشاريع المستقبل أقل أهمية، لكنها أصبحت مرتبطة بشرط بسيط وغير قابل للتفاوض: ألا يتحول الإقليم إلى ساحة مفتوحة بالكامل.

في النهاية، لم تعد المنافسة على المستقبل هي العنوان الذي يشرح كل شيء. العنوان الأكثر صدقًا ربما هو إدارة البقاء داخل نظام إقليمي لا يتوقف عن التغير. نظام تتقاطع فيه حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بطريقة تجعل الفصل بينها أصعب من السابق، وتجعل الخليج في قلب الصورة حتى عندما يحاول الوقوف على حافتها.

الاستقرار، هنا، لم يعد حالًا جاهزة، بل عملية مستمرة، تشبه السير على أرض غير ثابتة. لا أحد يملك رفاهية التوقف طويلًا، ولا أحد يملك القدرة على تجاهل ما يحدث حوله. في هذا المعنى تحديدًا، لا يصبح البقاء نتيجة سياسة، إنما هو شكل من أشكال التعايش مع نظام لا يمنح الطمأنينة الكاملة، لكنه يترك فقط هوامشها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد