وائل جزيني (صحيفة الأخبار)
صدر قرار الإعفاء من الامتحانات الرّسميّة للعام الدّراسيّ 2025-2026 في سياق أمنيّ ضاغط، وبحجّة حماية التّلامذة من خسارة عامهم الدّراسيّ، ومنحهم إفادات نجاح استنادًا إلى العلامات المدرسيّة بدل إخضاعهم لامتحان وطنيّ موحّد.
من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار الهاجس الإنسانيّ الذي يقف خلف القرار؛ فالتّلامذة ليسوا مسؤولين عن الواقع الأمنيّ المضطرب، ولا يجوز أن يتحمّلوا وحدهم كلفة الانقطاع والخوف والنّزوح وعدم انتظام العام الدّراسيّ.
غير أنّ الاعتراف بالدّافع الإنسانيّ لا يعني التّسليم بسلامة المعالجة. فقد يكون العلاج، إذا لم يُبنَ على معيار عادل، أشدّ ضررًا من الدّاء الذي يريد معالجته. فالقرار، وإن بدا في ظاهره إجراءً تخفيفيًّا ظرفيًّا، يتجاوز في مفاعيله حدود الشّهادة والامتحان، ويمسّ بنية النّظام التّربويّ نفسه، ولا سيّما موقع التّعليم الرّسميّ، وصورة الثّانويّات الرّسميّة، ومكانة الأساتذة، واستقرار المتعاقدين، وثقة الأهالي بالمؤسّسة التّربويّة العامّة.
إنّ خطورة القرار لا تكمن فقط في إلغاء الامتحان الرّسميّ، بل في ما يتركه هذا الإلغاء من أثر رمزيّ ومؤسّساتيّ على الثّقة بالتّعليم الرّسميّ. فالامتحان الرّسميّ، رغم كلّ الملاحظات التّربويّة عليه، كان يمثّل لحظة وطنيّة مشتركة تقف فيها المدرسة الرّسميّة والمدرسة الخاصّة أمام معيار واحد. وكان الطالب الرّسميّ، بما يحمله من معاناة اجتماعيّة واقتصاديّة وتربويّة، يجد في هذه اللّحظة فرصةً لإثبات كفاءته خارج حدود مدرسته، وبمعزل عن تفاوت الموارد بين المؤسّسات.
أمّا حين يُلغى هذا المعيار، وتُعتمد العلامات المدرسيّة المتفاوتة بدلًا منه، فإنّ الثّانويّة الرّسميّة تخسر إحدى أهمّ لحظات الاعتراف الوطنيّ بدورها. وهنا لا يعود القرار مسألة إداريّة متعلّقة بآليّة منح إفادات، بل يصبح جزءًا من سؤال أكبر: هل نحن أمام معالجة استثنائيّة عادلة، أم أمام خطوة إضافيّة في مسار إضعاف التّعليم الرّسميّ وتسويق سرديّة أنّ القطاع العامّ غير مُنتج، وأنّ تمويله هدر، وأنّ خصخصته هي الطّريق الأنجع؟
أوّلًا: حين تُضرب الثّقة بالتّعليم الرّسميّ
التّعليم الرّسميّ في لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الضّربات المعنويّة. فهو يعيش أصلًا تحت ضغط أزمات متراكمة: ضعف التّمويل، تآكل رواتب الأساتذة، نقص الموارد، تراجع القدرة التّشغيليّة، هشاشة البنى التّحتيّة، وغياب السّياسات الدّاعمة المستقرّة. وفي ظلّ هذه الأزمات، تأتي القرارات التّربويّة الاستثنائيّة لتختبر موقع المدرسة الرّسميّة في وعي المجتمع.
حين يشعر الأهل أنّ شهادة ابنهم لم تعد تستند إلى معيار وطنيّ واضح، وحين يرون أنّ بعض المدارس الخاصّة تملك هامشًا أوسع في إدارة العلامات ورفعها وتحسينها، بينما الثّانويّات الرّسميّة مقيّدة بعلامات فصليّة مرفوعة ومقفلة إداريًّا، فإنّ الثّقة بالتّعليم الرّسميّ تتعرّض للاهتزاز. ولا يعود السّؤال عند الأهل: هل المدرسة الرّسميّة تعلّم جيّدًا؟ بل يصبح: هل تستطيع المدرسة الرّسميّة أن تحمي مستقبل ابني كما تحميه المدرسة الخاصّة؟
هذه النّقلة خطيرة؛ لأنّها لا تطعن فقط في آليّة تقويم معيّنة، بل تطعن في صورة المؤسّسة الرّسميّة نفسها. فالمدرسة الرّسميّة، بدل أن تظهر بوصفها فضاءً للعدالة وتكافؤ الفرص، قد تُقدَّم في الوعي العامّ بوصفها عاجزة عن المناورة، وضعيفة الحماية، وأقلّ قدرةً على ضمان العبور، وأكثر تقيّدًا بإجراءات إداريّة لا تراعي مصلحة الطالب بالقدر نفسه الذي قد تفعله مؤسّسات خاصّة أكثر مرونة.
ثانيًا: التّعليم الرّسميّ بالأرقام: قطاع واسع لا يجوز كسر الثّقة به
لا يمكن مقاربة أثر القرار على التّعليم الرّسميّ من دون استحضار حجمه الاجتماعيّ والتّربويّ. فالمدرسة الرّسميّة ليست هامشًا في النّظام التّعليميّ اللّبنانيّ، بل هي شبكة وطنيّة واسعة تستوعب شرائح اجتماعيّة واقتصاديّة متعدّدة، ولا سيّما الفئات الأكثر تأثّرًا بالأزمة الماليّة والمعيشيّة.
تشير معطيات اليونيسف إلى أنّ دعم التّعليم الرّسميّ في لبنان شمل، في العام الدّراسيّ 2023-2024، تسجيل 386,932 طفلًا بين 3 و14 سنة في المدارس الرّسميّة، إضافةً إلى دعم 13,100 معلّم وموظّف في 1,062 مدرسة رسميّة. وهذه الأرقام وحدها تكفي للدّلالة على أنّ أيّ قرار يهزّ الثّقة بالتّعليم الرّسميّ لا يطال مؤسّسة محدودة، بل يطال بنية اجتماعيّة وتربويّة واسعة.
وتزداد خطورة الأمر حين نقرأ معطيات العام الدّراسيّ 2024-2025. فقد سجّل تقرير مركز الدّراسات اللّبنانيّة أنّ عدد التّلامذة المسجّلين في المدارس الرّسميّة بلغ 254,924 تلميذًا حتّى تشرين الثّاني/نوفمبر 2024، أي ما يقارب 92% من أرقام العام السّابق، بينهم 57,293 تلميذًا نازحًا، و31,011 تلميذًا منتقلًا من التّعليم الخاصّ إلى التّعليم الرّسميّ. وهذا يعني أنّ المدرسة الرّسميّة، في زمن الانهيار والنّزوح، لم تكن عبئًا على المجتمع، بل كانت ملاذًا اجتماعيًّا واسعًا للأسر التي لم تعد قادرة على تحمّل كلفة التّعليم الخاصّ، أو التي وجدت نفسها قسرًا أمام واقع أمنيّ ومعيشيّ ضاغط.
ومن هنا، فإنّ ضرب الثّقة بالتّعليم الرّسميّ لا يُقاس فقط بموقف انفعاليّ من قرار واحد، بل يُقاس بأثره في قطاع يحتضن مئات آلاف المتعلّمين، ويؤمّن عملًا لآلاف المعلّمين والموظّفين، ويؤدّي وظيفة اجتماعيّة لا يمكن للقطاع الخاصّ أن يعوّضها من دون تحويل التّعليم إلى سلعة محكومة بالقدرة على الدّفع.
ثالثًا: فجوة المرونة بين الرّسميّ والخاصّ
تتمثّل إحدى أخطر مشكلات القرار في أنّه يتعامل مع العلامات المدرسيّة كما لو كانت معطًى واحدًا، بينما هي في الحقيقة نتاج سياقات مختلفة. فالمدرسة الرّسميّة والخاصّة لا تعملان بالشّروط الإداريّة نفسها، ولا تمتلكان الهامش نفسه في إدارة العلامات، ولا تخضعان بالضّرورة للضّغط ذاته من الأهل والبيئة والمؤسّسة.
فالثّانويّات الرّسميّة تكون، في الغالب، أكثر ارتباطًا بالمسارات الإداريّة الصّارمة في رفع العلامات الفصليّة وإقفالها، في حين قد تملك بعض الثّانويّات الخاصّة قدرةً أكبر على ترتيب علامات آخر السّنة أو تحسينها أو إعادة احتسابها ضمن هامش أوسع من المرونة. وبذلك لا تعود المسألة مجرّد اختلاف في جودة التّعليم، بل اختلاف في شروط إنتاج العلامة نفسها.
هذا الخلل يضرب العدالة في الصّميم؛ لأنّه يجعل طالب الثّانويّة الرّسميّة أسير علامة مرفوعة ومقفلة، بينما قد يستفيد طالب في بعض الثّانويّات الخاصّة من هامش زمنيّ وإداريّ أوسع. وبذلك تتحوّل الصّرامة الإداريّة في الرّسميّ إلى عبء، وتتحوّل المرونة غير المضبوطة في بعض الخاصّ إلى امتياز.
الأخطر أنّ هذه الفجوة قد تعزّز المنطق الزّبائنيّ في التّعليم الخاصّ. فالمدرسة الخاصّة، بحكم علاقتها الماليّة المباشرة بالأهل، قد تتعرّض لضغوط مرتبطة بالزّبون والسّمعة والاحتفاظ بالتّلامذة. وهذا لا يعني اتّهام جميع المدارس الخاصّة، لكنّه يعني أنّ طبيعة العلاقة بين المدرسة والأهل تتيح، في بعض البيئات، قدرة أكبر على التّفاوض والضّغط والمراعاة. أمّا المدرسة الرّسميّة، فتبقى أكثر تقيّدًا بإجراءات إداريّة تجعلها أقلّ قدرةً على المناورة، ولو كان ذلك باسم النّزاهة.
رابعًا: من اهتزاز الثّقة إلى عزوف الأهالي
إنّ الثّقة ليست مسألة معنويّة فقط؛ إنّها تتحوّل سريعًا إلى قرار اجتماعيّ. فحين تهتزّ ثقة الأهل بالتّعليم الرّسميّ، يزداد احتمال عزوفهم عن تسجيل أبنائهم في الثّانويّات الرّسميّة، ولو كانوا اقتصاديًّا في أمسّ الحاجة إليها. فالأهل، وخصوصًا في صفوف الشّهادات الرّسميّة، يبحثون عمّن يطمئنهم إلى مستقبل أبنائهم، وإلى قدرة المدرسة على تأمين مسار واضح نحو الجامعة أو سوق العمل.
وإذا ترسّخ الانطباع بأنّ المدرسة الخاصّة أقدر على حماية الطالب في الحالات الاستثنائيّة، وأقدر على إدارة علاماته، وأسرع في التّكيّف مع القرارات، وأكثر حضورًا في التّواصل والتّأثير، فإنّ ذلك سيدفع شرائح من الأهالي إلى التّفكير بالانتقال إلى الخاصّ، ولو على حساب قدراتهم الماليّة. وهذا يعني أنّ القرار، من حيث لا يعلن، قد يساهم في دفع الأهالي بعيدًا عن التّعليم الرّسميّ.
إنّ أخطر ما في الأمر أنّ العزوف لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسرّب تدريجيًّا إلى وعي الأسر. يبدأ بالسّؤال، ثمّ بالشّكّ، ثمّ بالمقارنة، ثمّ بمحاولة الانتقال عند أوّل قدرة ماليّة ممكنة. وهكذا تصبح المدرسة الرّسميّة، لا بسبب ضعف أساتذتها بالضّرورة، بل بسبب السّياسات التي تحيط بها، أقلّ جذبًا، وأقلّ قدرةً على الاحتفاظ بتلامذتها.
خامسًا: انخفاض عدد التّلامذة: من الرّقم التّربويّ إلى التّهديد المؤسّسيّ
حين يتراجع تسجيل التّلامذة في الثّانويّات الرّسميّة، لا تكون النّتيجة رقمًا إداريًّا عابرًا. انخفاض عدد التّلامذة يعني تراجع عدد الشُّعب، وتراجع الحاجة إلى الحصص، وتراجع حجم المدرسة، وتراجع موقعها داخل الخريطة التّربويّة. ومع الوقت، قد تتحوّل الثّانويّة التي كانت مركزًا تربويًّا فاعلًا في منطقتها إلى مؤسّسة ضعيفة الحضور، مهدّدة بالتّقليص أو الدّمج أو التّهميش.
وهنا يصبح القرار جزءًا من مسار أوسع: كلّما ضعفت الثّقة بالتّعليم الرّسميّ، انخفض عدد التّلامذة؛ وكلّما انخفض العدد، قيل إنّ المدرسة الرّسميّة غير مُنتجة أو غير مُجدية؛ وكلّما قيل إنّها غير مُجدية، سَهُلَ تبرير تقليص الإنفاق عليها. وهكذا ندخل في حلقة مفرغة: تُضعَف المدرسة بسياسات غير عادلة، ثمّ يُستدلّ بضعفها على أنّها غير مستحقّة للدّعم.
إنّ انخفاض أعداد التّلامذة ليس مجرّد نتيجة طبيعيّة لاختيارات الأهالي، بل قد يكون نتيجة مباشرة لتراكم قرارات تهزّ صورة المدرسة الرّسميّة. فالقطاع الرّسميّ لا يُقاس بعدد طلّابه في سنة واحدة، بل بدوره الاجتماعيّ والوطنيّ في حماية الحقّ بالتّعليم. وأيّ قرار يساهم في دفع الأهالي إلى الابتعاد عنه إنّما يضرب هذا الدور من داخله.
سادسًا: المتعاقدون: الحلقة الأضعف في فاتورة الإعفاء
من أكثر الفئات هشاشة في هذا المسار فئة المتعاقدين. فالمتعاقد لا يملك استقرار الأستاذ في الملاك، ولا يحظى بضمانات مهنيّة كافية، بل يرتبط دخله بعدد الحصص الفعليّة، وبعدد الشُّعب، وبحاجة المدرسة إليه. لذلك فإنّ أيّ انخفاض في عدد التّلامذة ينعكس مباشرةً على عدد الشُّعب، ثمّ على توزيع الحصص، ثمّ على حضور المتعاقدين داخل الثّانويّات.
وتُظهر تقارير تربويّة حديثة أنّ فئة المتعاقدين تشكّل جزءًا كبيرًا من جسم التّعليم الرّسميّ في لبنان، وأنّ أيّ خفض في أيّام التّعليم أو الحصص ينعكس مباشرة على دخلهم. وقد أشار أحد تقارير مركز الدّراسات اللّبنانيّة إلى أنّ بعض المعلّمين عارضوا تقليص أيّام التّعليم بسبب الخشية من انخفاض ساعات التّعليم وصعوبة تعويض الفاقد التعلّمي، وبسبب الأثر المالي على المتعاقدين الذين يتقاضون بدلًا على أساس السّاعات. وهذا يؤكّد أنّ أيّ قرار يهزّ التسجيل أو يقلّص الشُّعب لا يبقى قرارًا تربويًّا مجرّدًا، بل يتحوّل إلى تهديد معيشيّ مباشر.
إذا عزف الأهالي عن تسجيل أبنائهم في التّعليم الرّسميّ، وإذا تراجعت أعداد التّلامذة، فإنّ المتعاقد سيكون أوّل من يدفع الثّمن. ستتقلّص حصصه، أو يُستغنى عن بعضها، أو يُعاد توزيعها، أو يجد نفسه في منافسة أشدّ على ساعات قليلة. وهكذا لا يبقى القرار مجرّد إجراء يتعلّق بالشّهادات، بل يتحوّل إلى عامل من عوامل ضرب الأمن المهنيّ والمعيشيّ لشريحة واسعة من الأساتذة المتعاقدين.
والأخطر أنّ هذه الخسارة لا تظهر دائمًا في الخطاب الرّسميّ. فالحديث يدور غالبًا حول التّلامذة والشّهادة والامتحان، بينما يبقى المتعاقد خارج الصّورة، كأنّ وجوده تفصيل إداريّ لا أثر إنسانيّ له. لكنّ الحقيقة أنّ المتعاقد هو جزء من العمود الفقريّ للتّعليم الرّسميّ، وأيّ مسار يؤدّي إلى تقليص الحصص إنّما يضرب استمراره، ويهدّد قدرته على البقاء في المهنة، ويدفعه إلى البحث عن بدائل خارج المدرسة الرّسميّة.
سابعًا: صورة الأستاذ الرّسميّ تحت ضغط القرار
لا يطال القرار الثّانويّات الرّسميّة كمؤسّسات فقط، بل يطال أيضًا صورة الأستاذ الرّسميّ. فالأستاذ في التّعليم الرّسميّ، وخصوصًا في صفوف الشّهادات، كان يستند إلى الامتحان الرّسميّ بوصفه معيارًا خارجيًّا يحسم الجدل حول مستوى الطالب. فإذا نجح الطالب أو رسب، كان ثمّة مرجع وطنيّ أعلى من المدرسة والأستاذ. أمّا حين تُعتمد العلامات المدرسيّة بدل الامتحان، فإنّ الأستاذ يصبح في واجهة المسؤوليّة المباشرة أمام الأهل والطلّاب.
هنا يُحمَّل الأستاذ عبئًا لم يُصمَّم أصلًا له. فالعلامة المدرسيّة التي وضعها ضمن سياق صفّيّ وتربويّ محدّد، تتحوّل فجأة إلى بديل عن علامة وطنيّة. وهذا يجعل الأستاذ عرضةً للضّغط، والمساءلة، والتّشكيك، وربّما الاتّهام بالتّشدّد أو عدم مراعاة الظّروف. والأسوأ أنّ الأستاذ الرّسميّ، بحكم التزامه الإداريّ، قد يبدو أقلّ قدرةً على «مساعدة» الطالب مقارنة ببعض المؤسّسات الخاصّة التي قد تمتلك هامشًا أوسع في تعديل العلامات أو إعادة ترتيبها.
بهذا المعنى، لا يُضرب الطالب الرّسميّ وحده، بل تُضرب أيضًا صورة الأستاذ الرّسميّ بوصفه أستاذًا ملتزمًا بالقانون والنّظام. وتتحوّل الصّرامة المهنيّة، في نظر بعض الأهالي، إلى عائق، بينما تتحوّل المرونة غير المضبوطة في بعض البيئات الخاصّة إلى امتياز. وهذه مفارقة جارحة في حقّ الأستاذ الرّسميّ، لأنّ ما يُفترض أن يكون عنوانًا للنّزاهة يصبح سببًا للتّذمّر منه.
ثامنًا: سرديّة القطاع الرّسميّ غير المُنتج
الأخطر من كلّ ما سبق هو أنّ هذه الوقائع قد تُستخدم لتسويق سرديّة سياسيّة واقتصاديّة قديمة جديدة: القطاع الرّسميّ غير مُنتج، والمدرسة الرّسميّة لا تستحقّ ما يُنفق عليها، والأموال المخصّصة لها هدر، والحلّ هو الخصخصة أو تقليص الاستثمار العامّ في التّعليم.
هذه السّرديّة لا تُقال دائمًا بصورة مباشرة، بل تُبنى تدريجيًّا عبر تراكم الانطباعات: مدرسة رسميّة ضعيفة، تلامذة أقلّ، نتائج غير واضحة، أساتذة محبطون، متعاقدون يخسرون حصصهم، أهالٍ يفضّلون الخاصّ، وإدارة عامّة تبدو عاجزة. وعندئذ يصبح سهلًا القول: لماذا ننفق على قطاع لا ينجح؟ لماذا لا نترك الأمر للخاصّ؟ لماذا لا نخصخص بدل أن نهدر الأموال؟
لكنّ هذه السّرديّة تخفي الحقيقة الأعمق: القطاع الرّسميّ لا يفشل وحده، بل يُدفَع إلى الفشل حين يُترك بلا تمويل عادل، وبلا حماية معنويّة، وبلا سياسات مستقرّة، وبلا قرارات تعزّز ثقة المجتمع به. ثمّ بعد ذلك يُحاسَب على نتائج هذا الإضعاف كما لو كانت نابعة من طبيعته لا من السّياسات التي استنزفته.
إنّ وصف التّعليم الرّسميّ بأنّه غير مُنتج هو ظلم مضاعف؛ لأنّه يتجاهل أنّ المدرسة الرّسميّة حملت، عبر عقود، أبناء الفئات الفقيرة والمتوسّطة، وفتحت أمامهم أبواب الجامعة والعمل والتّرقّي الاجتماعيّ. وهي لم تكن يومًا مجرّد كلفة ماليّة، بل كانت استثمارًا وطنيًّا في العدالة الاجتماعيّة. ومن يختزلها في ميزانيّة أو في عدد تلامذة متراجع، إنّما يتجاهل دورها في منع تحويل التّعليم إلى امتياز طبقيّ.
تاسعًا: خصخصة صامتة لا تحتاج إلى إعلان
حين تضعف المدرسة الرّسميّة، لا يحتاج أحد إلى إعلان الخصخصة بقرار رسميّ. الخصخصة قد تتمّ بصمت، عبر دفع الأهالي تدريجيًّا إلى مغادرة القطاع العامّ، وعبر تقليص الثّقة به، وعبر جعل الخاصّ يبدو أكثر قدرةً على حماية مستقبل الأبناء. وهكذا تتحوّل الخصخصة من سياسة معلنة إلى واقع اجتماعيّ مفروض.
الخطورة هنا أنّ الخصخصة لا تعني فقط انتقال التّلامذة من مدرسة إلى أخرى، بل تعني انتقال التّعليم من كونه حقًّا عامًّا إلى كونه خدمة تُشترى بحسب القدرة. ومن لا يملك كلفة الخاصّ يبقى في قطاع يجري إضعافه يومًا بعد يوم، ثمّ يُلام لأنّه لم يُنتج نتائج كافية. هذه ليست عدالة تربويّة، بل إعادة إنتاج للفوارق الاجتماعيّة داخل المدرسة.
إنّ القرار، بهذا المعنى، قد لا يكون قرار خصخصة في نصّه، لكنّه قد يخدم مسار الخصخصة في أثره. فهو يهزّ المعيار الوطنيّ، ويضعف الثّقة بالرّسميّ، ويفتح مجالًا لمقارنة غير عادلة بين رسميّ مقيّد وخاصّ أكثر قدرة على المناورة، ثمّ يترك المجتمع يستنتج وحده أنّ الخلاص في الخاصّ. وهنا تكمن الخطورة الحقيقيّة.
عاشرًا: نحو معالجة أكثر اتّساقًا: إفادات موحّدة بقوّة قانونيّة
ليست وظيفة النّقد أن يكتفي بإعلان الاعتراض، ولا أن يتجاهل صعوبة الواقع الأمنيّ الذي أحاط بالعام الدّراسيّ. فإذا كانت الظّروف الاستثنائيّة قد جعلت إجراء الامتحان الرّسميّ وفق صيغته التقليديّة متعذّرًا أو غير عادل، فإنّ البديل لا ينبغي أن يكون إنشاء مسارات متعدّدة داخل الدفعة الواحدة، بين من يحصل على إفادة نجاح، ومن يُدفع إلى دورة استثنائيّة، ومن يحتاج إلى شهادة رسميّة مع علامات. فالخلل هنا لا يكمن في مبدأ الإفادة وحده، بل في ازدواج المسارات، وتعدّد الوثائق، وتفاوت الآثار التّربويّة والقانونيّة والنّفسيّة بين تلامذة ينتمون إلى السنة الدراسيّة نفسها.
من هنا، تبرز أهميّة الاستفادة من توصية المفتشيّة العامّة التّربويّة التي ذهبت إلى اعتماد صيغة أكثر اتّساقًا، قوامها منح إفادات نجاح لجميع المرشّحين المسجّلين رسميًّا للتقدّم إلى امتحانات الشّهادة الثّانويّة العامّة للعام 2026، وفق القوائم النهائيّة المعتمدة لدى دائرة الامتحانات الرّسميّة، على أن تُمنح هذه الإفادات القوّة القانونيّة ذاتها للشّهادة الرّسميّة بموجب قانون يصدر عن مجلس النوّاب، أسوةً بما اعتُمد في سوابق تشريعيّة مماثلة.
إنّ قوّة هذا الطّرح أنّه يعالج أحد أخطر أوجه القرار، أي الازدواجيّة بين الإفادة والشّهادة، وبين المعفى والممتحَن، وبين من يستفيد من قرار عامّ ومن يُعاد إخضاعه لمسار استثنائيّ. فإذا كان المبرّر الأمنيّ والإنسانيّ كافيًا لتعليق الامتحان العامّ، فإنّ مقتضى العدالة أن يُطبَّق الأثر نفسه على جميع المرشّحين، لا أن تُقسَّم الدفعة الواحدة إلى فئات تتلقى وثائق مختلفة وتعيش أعباء مختلفة.
ولا يعني هذا الطّرح أنّ الإفادة حلّ مثاليّ من النّاحية التّربويّة، ولا أنّها تعوّض كاملًا عن الامتحان الرّسميّ بوصفه معيارًا وطنيًّا موحّدًا. لكنّه، في الظّرف الاستثنائيّ، قد يكون أقلّ ضررًا من صيغة هجينة تجمع بين إعفاء فئة، وامتحان فئة، ومنح وثائق مختلفة لفئات من الدفعة نفسها. فالاستثناء حين يفرض نفسه ينبغي أن يكون موحّدًا وواضحًا وقانونيًّا، لا أن يتحوّل إلى مصدر جديد للتفاوت والالتباس.
وتزداد أهميّة هذا الخيار إذا شمل، كما تقترح المفتشيّة، شهادات التّعليم المهنيّ والتّقنيّ أيضًا، بحيث تُعتمد المقاربة نفسها للمرشّحين المسجّلين رسميًّا لشهادات البكالوريا الفنّيّة، والامتياز الفنّيّ، والإجازة الفنّيّة. فالمعيار الوطنيّ لا يُحمى فقط في التّعليم الأكاديميّ العامّ، بل يُحمى أيضًا في التّعليم المهنيّ والتّقنيّ الذي يطاول شرائح واسعة من المتعلّمين، ولا يجوز أن يُترك خارج منطق العدالة نفسه.
بهذا المعنى، يصبح الحلّ الأقلّ ضررًا ليس في العودة إلى امتحان تقليديّ متعذّر، ولا في دورة استثنائيّة تخلق طبقيّة جديدة بين التّلامذة، بل في اعتماد إفادة موحّدة بقوّة قانونيّة واضحة، تحفظ المساواة بين المرشّحين، وتمنع تضارب الوثائق، وتخفّف الضّغط عن التّلامذة والأهالي والأساتذة، وتغلق الباب أمام سؤال خطير: لماذا يُعفى بعض الطلاب من الامتحان، بينما يُلزم آخرون بخوضه في السنة والظّروف نفسيهما؟
حادي عشر: المدرسة الرّسميّة بوصفها عنوانًا للعدالة الاجتماعيّة
لا يجوز أن ننسى أنّ المدرسة الرّسميّة ليست مؤسّسة تعليميّة فقط، بل هي عنوان من عناوين الدّولة الاجتماعيّة. هي المكان الذي يُفترض أن يجد فيه ابن الفقير وابن الموظّف وابن العامل وابن القرية وابن المدينة فرصةً حقيقيّة للتعلّم والتقدّم. لذلك فإنّ ضرب الثّقة بها ليس مسألة إداريّة، بل مسألة وطنيّة وأخلاقيّة.
وحين تُضعف المدرسة الرّسميّة، لا يخسر الأساتذة والمتعاقدون وحدهم، بل تخسر الفئات الأضعف آخر ضماناتها. فالأهل الذين لا يملكون كلفة الخاصّ لا يملكون ترف الاختيار. وإذا صار التّعليم الرّسميّ أقلّ ثقة، وأقلّ جذبًا، وأقلّ قدرةً على حماية مستقبل الطلّاب، فإنّ هؤلاء الأهالي سيشعرون بأنّ الدّولة تخلّت عنهم في أكثر المجالات حساسيّة: تعليم أبنائهم.
لذلك ينبغي قراءة أثر القرار لا من زاوية الامتحان وحده، بل من زاوية موقع المدرسة الرّسميّة في الوجدان الاجتماعيّ. فالقرار الذي يهزّ ثقة الأهالي بالرّسميّ، ويدفعهم إلى الخاصّ، ويقلّص عدد التّلامذة، ويخفّض حصص المتعاقدين، ويضعف صورة الأستاذ، إنّما يطال جوهر فكرة التّعليم العامّ.
الخلاصة
إنّ قرار الإعفاء من الامتحانات الرّسميّة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه إجراءً ظرفيًّا محدود الأثر. فهو، في عمقه، يمسّ الثّقة بالتّعليم الرّسميّ، ويؤثّر في خيارات الأهالي، ويهدّد بانخفاض عدد التّلامذة في الثّانويّات الرّسميّة، ويعرّض المتعاقدين لخسارة حصصهم، ويضع الأساتذة في مواجهة ضغوط أخلاقيّة ومهنيّة واجتماعيّة، ويفتح الباب أمام سرديّة خطيرة تزعم أنّ القطاع الرّسميّ غير مُنتج وأنّ تمويله هدر.
والأخطر أنّ هذه السّرديّة قد تمهّد لخصخصة غير معلنة، لا تبدأ ببيع المدارس أو إغلاقها، بل تبدأ بكسر الثّقة بها. فإذا اقتنع الأهل بأنّ المدرسة الرّسميّة لا تحمي أبناءهم، وإذا تراجع عدد التّلامذة، وإذا خسر المتعاقدون حصصهم، وإذا ضعفت صورة الأستاذ، صار من السّهل القول إنّ هذا القطاع لا يستحقّ الاستثمار.
لكنّ المعالجة الأكثر اتّساقًا، في ضوء الظّرف الاستثنائيّ ورأي المفتشيّة العامّة التّربويّة، لا تكون بتقسيم التلامذة بين إفادة وشهادة ودورة استثنائيّة، بل باعتماد إفادات نجاح موحّدة لجميع المرشّحين المسجّلين رسميًّا، ومنحها القوّة القانونيّة ذاتها للشهادة بموجب قانون واضح. فحين تتعذّر العدالة الامتحانيّة الكاملة، ينبغي على الأقلّ حماية العدالة القانونيّة والإداريّة بين جميع أبناء الدفعة الواحدة، بدل خلق مسارات متوازية قد تزيد الالتباس وتعمّق الإحساس بعدم المساواة.
إنّ التّعليم الرّسميّ لا يحتاج إلى إضعاف جديد، بل إلى استعادة الثّقة به. ولا يجوز أن يتحوّل قرار استثنائيّ، مهما كانت دوافعه الإنسانيّة، إلى أداة إضافيّة في مسار ضرب المدرسة الرّسميّة، وتفريغها من دورها، ودفع المجتمع نحو تعليم طبقيّ لا مكان فيه إلّا لمن يملك القدرة على الدّفع.
إنّ الدّفاع عن الثّانويّة الرّسميّة ليس دفاعًا عن مبنًى أو إدارة أو جهاز بيروقراطيّ؛ إنّه دفاع عن فكرة العدالة نفسها. فالمدرسة الرّسميّة، حين تُحمى، تحمي المجتمع من الانقسام الطّبقيّ في التّعليم. وحين تُضرب، يُترك أبناء الفئات الأضعف أمام سؤال قاسٍ: من يضمن حقّهم في تعليم عادل، إذا تخلّت الدّولة عن مدرستها؟
أستاذ ثانويّ، ومشرف تربويّ، ومحاضر جامعيّ
مصادر ومعطيات داعمة:
• نصّ قرار الإعفاء من الامتحانات الرّسميّة للعام الدّراسيّ 2025-2026.
• رأي المفتشيّة العامّة التّربويّة بقرار مجلس الوزراء تاريخ 25/6/2026 المتعلّق بإلغاء الامتحانات الرّسميّة للعام الدّراسيّ 2025-2026.
• تقرير اليونيسف السنويّ عن لبنان، 2024.
• مركز الدّراسات اللّبنانيّة، التعليم تحت النار، 2024.
• مؤسّسة التّدريب الأوروبيّة، تطوّرات السّياسات في التعليم والتدريب والتوظيف – لبنان، 2024.
• مركز الدّراسات اللّبنانيّة، التعليم في زمن الأزمة: تحدّيات العودة إلى المدرسة.