ما يجري في الإقليم لم يعد يشبه حربًا تقليدية تُقاس فيها الأمور بعدد الضربات أو بتبدل خطوط التماس. هناك شيء أعمق يتشكل بهدوء، أشبه بإعادة ضبط بطيئة لأساس النظام الإقليمي نفسه. لكن هذا التحول لا يسير بشكل متوازن بين الأطراف، إنما يميل تدريجيًا نحو تراكم نفوذ محور إيران، لا لكونه انتصارًا مكتمل الملامح، بل بوصفه قدرة متزايدة على دفع الوقائع إلى الأمام حتى تصبح هي المرجع الفعلي، لا الاستثناء العابر.
الولايات المتحدة و"إسرائيل" ما تزالان تمتلكان أدوات قوة كبيرة عسكرية وتكنولوجية واستخباراتية، لكن المشكلة لم تعد في امتلاك الأدوات بحد ذاتها، إنما في ما يمكن فعله بها. القوة هنا لم تعد تترجم تلقائيًا إلى نتائج سياسية مستقرة. إذ كل استخدام واسع لها يفتح مساحة استنزاف جديدة، وكأن الفعل العسكري فقد شيئًا من قدرته على إنهاء المسار، وأصبح يعيد إنتاجه، بشكل مختلف، أبطأ وأكثر تعقيدًا. هذه ليست أزمة تكتيك فقط، بل هي أزمة أعمق في العلاقة بين القوة ونتيجتها.
في الجهة المقابلة، تتحرك إيران ومحورها بطريقة أقل ضجيجًا وأكثر تراكمية. لا يوجد إعلان عن تحول كبير، ولا لحظة واحدة يمكن التوقف عندها، لكن هناك سلسلة من التحولات الصغيرة التي تتراكم في الاتجاه نفسه من دون انقطاع واضح. الفكرة ليست في “الرد” بقدر ما هي في دفع الخصم تدريجيًا إلى مساحة أضيق من الخيارات، حتى يصبح مضطرًا للتعامل مع واقع لم يعد هو من يحدد قواعده بالكامل. القوة هنا لا تظهر في لحظة واحدة، إنما تتشكل مع الوقت، حين يصبح ما كان استثناءً جزءًا من الطبيعي.
في الممرات البحرية، وفي ملفات الطاقة، وفي ترتيبات الأمن غير المعلنة، يظهر هذا المنطق بشكل أكثر وضوحًا. لم يعد الأمر مجرد تهديد أو نفوذ ظرفي، لقد أضحى محاولة هادئة لتثبيت قواعد تشغيل جديدة لحركة التجارة والملاحة. عندما تتحول الخدمات المرتبطة بالعبور والتأمين والإسناد إلى جزء من معادلة سيادية واقتصادية، فنحن لا نتحدث عن تفصيل إداري، إنما عن إعادة تعريف لمن يملك حق تنظيم تدفق العالم نفسه. التغيير، هنا، لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل تدريجيًا حتى يصبح مألوفًا، ثم يُعامل كأنه حقيقة قائمة منذ زمن.
لكن على الرغم من هذا الاتجاه، من الصعب القفز إلى نتيجة تقول إن المشهد حُسم بالكامل. ما تزال هناك قدرة حقيقية عند الطرف المقابل على التعطيل والتشويش وإعادة خلط الأوراق، حتى لو لم يعد قادرًا على الإمساك بالاتجاه العام أو قلبه بالكامل. هذا بالضبط ما يجعل الصورة أكثر تعقيدًا من ثنائية الانتصار والهزيمة، نحن أمام اختلال متزايد في القدرة على المبادرة، من دون الوصول إلى نقطة إغلاق نهائي.
في لبنان، تظهر هذه المعادلة، بشكل ملموس ومكثف. "إسرائيل" تمتلك تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكن هذا التفوق لا يتحول بسهولة إلى استقرار سياسي أو أمني دائم. كل محاولة لإعادة تشكيل الواقع على الأرض تصطدم بقدرة حزب الله على إعادة التموضع ومنع تثبيت نتائج قابلة للاستمرار. النتيجة ليست سيطرة واضحة ولا انسحابًا واضحًا، هي حال وسطية، أقرب إلى استنزاف طويل يعلّق الصراع بدل أن يحسمه.
أما داخل "إسرائيل"، فالصورة لا تقل تعقيدًا. إذ إن استمرار المواجهة من دون نتائج حاسمة يخلق ضغطًا داخليًا يتجاوز السياسة اليومية. الفجوة بين الخطاب العالي الذي يتحدث عن أهداف كبرى، وبين واقع لا يحقق تلك الأهداف، تبدأ في التأثير على الثقة العامة، وعلى تصور المجتمع نفسه لحدود القوة وقدرتها. الحرب هنا لا تبقى خارجية فقط، إنما تبدأ بالارتداد إلى الداخل، بشكل تدريجي، وهادئ أحيانًا، لكنه عميق بما يكفي ليعيد تشكيل الأسئلة نفسها.
ما يجمع هذه المسارات أن فكرة الحسم التقليدي تتراجع تدريجيًا. القوة لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على إنهاء الصراع، أيضًا بقدرتها على إعادة تشكيله. في هذا التحول، يبدو أن محور إيران ينجح في تراكم مكاسب من نوع مختلف، مكاسب لا تُقاس بلحظة واحدة، بل بإزاحة بطيئة لمراكز القرار الفعلي على الأرض، حيث يصبح الخصم مضطرًا للتكيف أكثر مما هو قادر على المبادرة.
مع ذلك، المشهد لمّا يُغلق بعد. ما يحدث ليس انتقالًا من هيمنة إلى هيمنة مضادة، هو دخول في منطقة رمادية طويلة، تتقدم فيها بعض الأطراف في فرض الإيقاع العام، بينما يحتفظ الآخرون بقدرة فعلية على التعطيل والعرقلة. لا أحد يملك الصورة النهائية، لكن هناك من بدأ يقترب من القدرة على رسم إطارها العام، ولو بشكل غير مكتمل بعد.
في النهاية، ربما أهم ما في هذه المرحلة أنها لا تقدم إجابات جاهزة. إنما تترك كل شيء معلقًا على سؤال واحد يتكرر بصيغ مختلفة: من الذي يملك فعلًا القدرة على تحويل هذا التراكم إلى نظام مستقر، ومن سيبقى يتحرك داخل نظام لم يعد هو من كتبه بالكامل؟!