الجنوب : بين رماد الدمار وصمت سلطة القرار!

post-img

ابراهيم مصطفى (صحيفة البناء) 

إلى أين؟

يقف الجنوب اللبناني اليوم أمام مشهد سوداوي يختزل أزمة وطن بأكمله؛ فما بين قرى تُفجّر وتحوّل إلى أنقاض، وبيوت تُرمّد وتُمسح عن وجه الأرض، يجد المواطن الجنوبي نفسه وحيداً في مواجهة آلة دمار لا ترحم.

ما يحدث على الأرض ليس مجرد مواجهات عابرة، غير أنه عملية مسح شامل وممنهج للبنية العمرانية والاقتصادية.

قرى بأكملها تُسوّى بالارض، وموسم بعد موسم تُباد أرزاق الناس وعرق أعمارهم الذي تحوّل إلى رماد.

مشاهد الدمار تتحدّث عن نفسها: حجارة تكسّرت، ذكريات دُفنت تحت الأنقاض، ومجتمعات كاملة تُقتلع من جذورها في ظلّ عجز مطبَق عن حماية الحجر أو البشر.

وفي خضمّ هذا المخاض القاسي، يأتي الحديث عن “اتفاق الإطار” ليصبّ الزيت على النار. فبدلاً من أن يكون مظلة للحلّ أو وقف النزيف، يبدو وكأنه غطاء سياسي يطلق العنان للمزيد من التدمير والضغط.

وكلّ التزام لبناني يُقابَل بمزيد من التصعيد والخراب، وكأنّ قدر هذه الأرض أن تبقى رهينة لمسارات تفاوضية تزيد من أوجاع أبنائها ولا تقيهم لهيب الحرب.

وأمام هذا التمادي المستمرّ في خروقات العدو “الإسرائيلي” وانتهاكاته اليومية للسيادة والأرواح، يبرز السؤال المشروع والملحّ في وجدان كلّ حرّ: ماذا لو ردّت المقاومة على هذه الاعتداءات؟ وماذا سيكون ردّ فعل السلطة الرسمية حينها؟ هل ستسارع كعادتها إلى إدانة حق الدفاع عن النفس، متماهيةً مع الضغوط الخارجية والاملاءات الدولية التي لا تبصر من الحرب سوى ما يزعج المحتلّ؟ أم أنها سترتجف خوفاً على مكتسباتها الشكلية، لتخرج ببيانات الاستنكار والشجب ضدّ من يحمل دمقً على كفه لحماية ما تبقى من كرامة هذا الوطن، وكأنّ الردّ على الجريمة بات بنظر أهل الحكم جريمة أكبر؟

يطرح المشهد تساؤلات مصيرية تفرض نفسها بقوة على الشارع اللبناني: أنحن أمام عجز رسمي كامل، أم أنّ الدولة بمؤسّساتها قد سلّمت الراية ورفعت يدها؟ أم أننا خضعنا كقرار سيادي للسلطة وأجنداتها؟ خصوصاً في ظلّ ما يُحاك في الكواليس ويوجّه بأوامر الإملاءات الخارجية، حيث تُكبّل الأيدي وتُكمّم الأفواه، وتُفرَض “الإدانات الممنوعة” وكأنّ المطلوب هو الصمت المطبق على جريمة إبادة الوطن وأهله.

إنّ السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: ما الذي ينتظر ما تبقى من هذه القرى؟ هل هو الاستسلام التامّ لمصير الموت والتهجير القسري؟ أم أنّ هناك صرخة ضمير وطنية قادرة على كسر طوق الخضوع والعجز؟

إنّ ما يجري في الجنوب ليس شأناً مناطقياً ضيّقاً، غير أنه اختبار حقيقي لوجود لبنان الكيان والهوية. وإذا لم تنهض السلطة من غيبوبتها وتتحمّل مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية، فإنّ التاريخ لن يحسب حساباً لمن فرّط بالأرض والأرزاق وأسلم العباد لرياح الوصاية والدمار…

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد