فقرا تتمدّد عمرانياً: طفرة عقارية تهدّد «جنة النخبة»

post-img

غنوة فهد (صحيفة الأخبار)

لم يصل الانهيار النقدي والمصرفي إلى ورش البناء في فقرا. هنا، لم يؤدِّ انهيار سعر صرف الليرة ولا العدوان الإسرائيلي إلى فرملة التمدّد العمراني. الرافعات وآليات الحفر جزء من المشهد اليومي، والأراضي التي كانت خالية قبل سنوات قليلة تتحوّل تباعاً إلى ورش لفيلات ومجمّعات سكنية ومشاريع سياحية جديدة.

لكن الطفرة التي أبقت المنطقة استثناءً من الركود الذي أصاب قطاعات واسعة في لبنان، بدأت تضغط على ما صنع جاذبيتها أصلاً. فمع ارتفاع كثافة البناء وقضم المساحات الخضراء، تظهر محدودية البنى التحتية، وخصوصاً المياه، فيما يُطرح اليوم رفع الحد الأدنى لمساحة العقار المسموح بالبناء عليه للحدّ من التكدّس العمراني.

بحسب عضو بلدية كفردبيان بونتيليون سلامة، فإن «غالبية المستثمرين وأصحاب العقارات في فقرا يعيشون خارج لبنان، ما يعني أنهم لم يتأثروا مباشرة بالأزمة المالية كما حصل مع المقيمين في الداخل». وهو ما يفسّر، جزئياً، استمرار حركة البناء رغم الانهيار الاقتصادي والحرب الإسرائيلية على لبنان.

ويشير مصدر مطّلع لـ«الأخبار» إلى أن تملّك العرب والأجانب لا يزال محدوداً ولا يتجاوز 2% من مجمل العقارات، فيما تعود الغالبية الساحقة من الملكيات إلى لبنانيين. ويلفت إلى أن المنطقة كانت في تسعينيات القرن الماضي ذات غالبية مسيحية شبه كاملة، قبل أن يؤدي توسّع المشاريع واستقطاب مشترين من مناطق لبنانية مختلفة إلى تنوّع أكبر في الخلفيات الاجتماعية والطائفية للمالكين والمقيمين الموسميين.

العمران يتجاوز حدود «فقرا كلوب»

إدارياً، تقع فقرا ضمن نطاق بلدة كفردبيان، فيما ارتبط نموها العمراني إلى حدّ كبير بمشروع «فقرا كلوب»، الذي شكّل على مدى عقود محرّك التوسع العقاري في المنطقة.

في البداية، تركزت مشاريع الفيلات والشاليهات على الأراضي التابعة لكفردبيان. لكن ارتفاع الطلب دفع العمران إلى تجاوز الحدود التقليدية للمشروع والامتداد نحو الأراضي المجاورة التابعة لبلدة كفرتيه في قضاء كسروان، حيث فُرز عدد من العقارات وحُوّل إلى مشاريع سكنية جديدة.

ولم يقتصر أثر التمدّد على البناء، بل انتقلت معه الأسعار المرتفعة إلى الأراضي المحاذية التي كانت أقل جذباً للاستثمارات. ويتراوح سعر المتر المربع من الأرض في نطاق نادي فقرا - كفرتيه بين 1000 و1200 دولار، فيما تسجّل الأراضي ضمن نطاق نادي فقرا - كفردبيان أسعاراً أعلى. للمقارنة، يبلغ سعر المتر المربع في بلدة بسكنتا المجاورة، في قضاء المتن، نحو 300 دولار.

«فقرا»... اسم تجاري لا منطقة عقارية

رغم حضور اسم «فقرا - كفردبيان» في السوق العقارية والتسويق السياحي، تُظهر المستندات العقارية والإدارية التي اطّلعت عليها «الأخبار» أن «فقرا» ليست منطقة عقارية قائمة بذاتها.

ففي قيود السجل العقاري وإفادات التخطيط والتصنيف الصادرة عن المديرية العامة للتنظيم المدني، لا يرد اسم «فقرا» كوحدة عقارية مستقلة. والعقارات الواقعة ضمن ما يُعرف تجارياً وسياحياً بـ«فقرا كلوب» موزّعة بين النطاقين العقاريين لكفردبيان وكفرتيه.

وتُظهر إحدى إفادات التخطيط والتصنيف الصادرة عن وزارة الأشغال العامة والنقل أن العقار موضوع الإفادة يقع في منطقة كفرتيه العقارية، فيما تظهر مستندات أخرى أن عقارات مجاورة ضمن المشروع نفسه مسجّلة في منطقة كفردبيان العقارية.

وتقول بلدية كفردبيان لـ«الأخبار» إن نحو 90% من المشاريع والأملاك المبنية ضمن نطاق «فقرا كلوب» تقع أساساً على أراضيها. إلا أن التوسع العقاري في السنوات الأخيرة تجاوز الحدود التقليدية للمشروع، بعد فرز عقارات في المنطقة العقارية التابعة لكفرتيه وإدخالها ضمن الامتداد العمراني للنادي.

وبحسب البلدية، تمتد «فقرا - كفردبيان» على مساحة جغرافية تقدّر بنحو ستة ملايين متر مربع، ولا تضم مشاعات أو أملاكاً عامة عائدة للدولة، وهو ما أكدته أيضاً بلدية كفرتيه لـ«الأخبار».

البناء يسبق البنى التحتية

خلف الازدهار العقاري، تتراكم مشكلة أكثر جوهرية: البنى التحتية لم تُصمَّم لاستيعاب هذا الحجم من التوسع والكثافة السكانية الموسمية المتزايدة.

وبحسب مصدر بلدي، لا تتعلق المشكلة بقانونية المشاريع، إذ إن «جميع أعمال البناء نظامية وتتم ضمن القوانين»، بل بقدرة الخدمات الأساسية على مواكبة الطفرة.

ويظهر الضغط بصورة أوضح في المياه. فالموارد والشبكات الحالية لم تعد تكفي لتغطية الاستهلاك المتزايد، ما يدفع عدداً كبيراً من السكان وأصحاب المنازل إلى شراء المياه بواسطة الصهاريج.

ويقول مصدر لـ«الأخبار» إن «فقرا كلوب» حفر بئرين أو ثلاثة آبار ارتوازية ضمن نطاقه لتأمين حاجاته بصورة مستقلة عن الشبكات العامة. وعند انخفاض منسوب المياه في الخزانات، يجري الاستعانة بصهاريج لنقل المياه وضخها إلى الشاليهات والمجمّعات السكنية.

ورغم القرب الجغرافي من سد شبروح، لا تستفيد هذه المشاريع من مياهه، وتعتمد على مصادر خاصة. وبحسب المصدر، يتيح هذا النموذج لـ«فقرا كلوب» تحقيق عائدات من بيع المياه داخل نطاق المشروع، إذ تُباع للمشتركين أو المقيمين مقابل بدل سنوي يبلغ، وفق المعلومات المتاحة، نحو 500 دولار للمتر المكعب.

من الفيلات إلى التكدّس

المفارقة أن التوسع الذي رفع قيمة فقرا العقارية يهدّد النموذج الذي قامت عليه. فـ«فقرا كلوب» بُني أساساً وفق رؤية هندسية تفرض معايير محددة للبناء، بينها استخدام القرميد ووجود الحدائق، بما يحافظ على الطابع الجبلي للمشروع.

وفي بداياته، كان النظام المعتمد يضع سقفاً يمنع بيع أي عقار بمساحة تزيد على 2000 متر مربع، بهدف منع نشوء «كانتونات» عقارية مغلقة والحفاظ على نموذج الفيلات المستقلة المحاطة بالمساحات الخضراء.

لكن المعايير تغيّرت مع الوقت، وبات البناء ممكناً على مساحات صغيرة تتراوح بين 450 و500 متر مربع. ومع ارتفاع عدد المشاريع، أخذت المساحات الخضراء بالتراجع، فيما يتصاعد اعتراض بعض القاطنين على ما يعتبرونه تشوّهاً بصرياً وتغييراً لهوية المكان. وفي هذا السياق، عبّر وزير سابق يمتلك فيلا في المشروع عن امتعاضه من العشوائية العمرانية المستجدة.

وعلمت «الأخبار» أن محافظة كسروان - جبيل استدعت أخيراً رئيس بلدية كفردبيان جان عقيقي للاستفسار عن الكثافة العمرانية والارتفاع الحاد في عدد رخص البناء الممنوحة سنوياً، وجرى طرح رفع الحد الأدنى لمساحة العقار المسموح بالبناء عليه إلى ما بين 1000 و1200 متر مربع، في محاولة للحد من التكدّس. ويضم «فقرا كلوب» حالياً نحو 600 فيلا.

طفرة ترفد صناديق البلديات

للنمو العقاري عائداته أيضاً. وبحسب مصادر بلدية، تبدأ الرسوم السنوية التي تتقاضاها بلدية كفرتيه عن العقارات الواقعة ضمن مشروع «فقرا كلوب» من نحو 1300 دولار، فيما تشكّل رخص البناء مورداً أكبر، إذ تتراوح قيمة الرخصة الواحدة بين 17 و18 ألف دولار.

ووفق المصدر نفسه، دفع أحد المشاريع المؤلف من 17 شاليهاً ما بين 40 و45 ألف دولار رسوماً مرتبطة بالترخيص، فيما يتراوح إجمالي مداخيل بلدية كفرتيه السنوية من رسوم البناء والضرائب العقارية بين 220 و230 ألف دولار.

أما بلدية كفردبيان فتؤكد أنها تتشدّد في متابعة الضرائب والرسوم البلدية وتدقيق الملفات للحد من التهرّب، في وقت تعتمد فيه البلديات على الجباية الدورية للحفاظ على إيراداتها.

وفوق الرسوم البلدية، يدفع المالكون داخل «فقرا كلوب» رسوماً خاصة لقاء خدمات تشمل الحراسة وجمع النفايات والتنظيف والصيانة، تبلغ نحو أربعة آلاف دولار سنوياً.

هكذا، تستمر فورة البناء في منطقة نجح رأس المال العقاري فيها في تجاوز الأزمة التي كبّلت معظم الاقتصاد اللبناني. لكن استمرار النمو بالوتيرة نفسها يضع فقرا أمام مفارقة واضحة: كل مشروع جديد يرفع القيمة الاستثمارية للأرض، لكنه يضيف في الوقت نفسه ضغطاً على المياه والمساحات الخضراء والبنية التحتية والطابع العمراني الذي منح المكان قيمته الاستثنائية. والسؤال لم يعد ما إذا كانت فقرا قادرة على جذب مزيد من البناء، بل إلى أي حد تستطيع استيعابه من دون أن تلتهم الطفرة العقارية أسباب جاذبيتها نفسها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد