لم يكتشف رأس المال الحرب بوصفها كارثة فحسب، لقد اكتشف فيها، منذ وقت مبكر، فرصة للربح وإعادة توزيع الثروة. منذ أن ارتبطت الجيوش بالتمويل، والموانئ بالتجارة، والمعادن بالصناعة، لم تعد الحرب حدثًا يقع خارج الاقتصاد، أصبحت إحدى الآليات التي يعيد بها الصراع السياسي والعسكري ترتيب الأسواق والثروات وموازين القوة.
تاريخيًا، لم تكن الحرب مجرد إنفاق عسكري تتحمله الدول، كانت دائمًا مجالًا تتشكل حوله مصالح اقتصادية كاملة. خلال الحرب الأهلية الأمريكية، ازدهرت المضاربة على الذهب والسلع، وتراكمت ثروات التمويل والتجارة والإمدا؛ ثم جاءت الحربان العالميتان الأولى والثانية لتدفعا العلاقة بين الدولة والصناعة إلى مستوى غير مسبوق، قبل أن تتبلور بعد الحرب العالمية الثانية في ما عُرف لاحقًا بـ«المجمع الصناعي العسكري».
لم يكن تحذير الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور من هذا المجمع تحذيرًا من شركات السلاح وحدها، أيضا من نشوء بنية يمكن أن تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع القرار الأمني والعسكري؛ حيث يصبح استمرار التوتر جزءًا من مصالح قطاعات واسعة من الاقتصاد.
جاء النفط، بعد ذلك، ليمنح هذه العلاقة بعدًا أكثر خطورة.
أزمة النفط، في العام 1973، أظهرت أن موردًا استراتيجيًا لا يخضع فقط لقوانين العرض والطلب، يمكن أن يتحول إلى أداة قوة سياسية تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي. إذ ارتفعت الأسعار، وتغيرت موازين القوى، وأصبحت حماية مصادر الطاقة وطرق نقلها جزءًا ثابتًا من الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.
منذ ذلك التاريخ، أصبح الفصل بين جغرافيا الطاقة والجغرافيا السياسية أكثر صعوبة. حرب الخليج والعقوبات على العراق والصراع على إيران والحرب في ليبيا، ثم الحرب الروسية- الأوكرانية، كلها قدمت بصيغ مختلفة الحقيقة نفسها: كلما اقترب الصراع من النفط والغاز والممرات البحرية دخلت الأسواق إلى قلبه.
لكن خلف كل برميل يرتفع سعره، هناك اقتصاد بشري يدفع الفاتورة. ارتفاع النفط لا يظهر فقط على شاشة التداول، يصل ايضًا إلى أجرة النقل وسعر الغذاء وكلفة الكهرباء وراتب العامل الذي لم يعد يكفي كما كان. إذ حين تهتز الأسواق بسبب حرب بعيدة، قد لا يعرف الرجل الذي يقف في طابور الخبز شيئًا عن العقود الآجلة، لكنه يعرف أن المال في جيبه صار أقل قيمة.
هذا هو الوجه الذي تختفي ملامحه عادة خلف لغة الأسواق.
إذ لم تعد الأسواق تنتظر الحرب حتى تتفاعل معها. لقد أصبحت تتفاعل مع احتمال الحرب، ومع التهديد بها والتصريحات التي تسبقها، ومع التراجع عنها. بات تصريح واحد صادر من الرئيس الأمريكي قادرًا، خلال دقائق، على إعادة تسعير النفط والذهب والأسهم وشركات الطاقة والدفاع.
تجربة دونالد ترامب شديدة الدلالة في هذا السياق.
ترامب لا يحتاج إلى إطلاق صاروخ كي يحرك سوق النفط. يكفي أن يهدد بضرب منشآت الطاقة الإيرانية، فيرتفع السعر، ثم يفتح باب التفاوض، فينخفض. يلوح بإغلاق مضيق هرمز، فتتسع علاوة المخاطر. يشير إلى احتمال التهدئة، فتتراجع. كل كلمة سياسية تتحول إلى توقع مالي، وكل توقع مالي يفتح مراكز رابحة وخاسرة بمليارات الدولارات.
الكلمة الرئاسية أصبحت، في بعض الحالات، أقرب إلى أمر تداول.
لكن الكلمة التي تحرك شاشة في نيويورك قد تعني شيئًا مختلفًا تمامًا، في طهران أو بيروت أو القاهرة، أو أي مدينة تعتمد على الطاقة والغذاء المستوردين. بالنسبة إلى المتداول، قد تكون الحركة صعودًا أو هبوطًا بنسبة مئوية. بالنسبة إلى عائلة، قد تكون فاتورة كهرباء أعلى، أو رحلة ألغيت، أو مشروعًا صغيرًا أُجّل، أو راتبًا فقد جزءًا من قدرته على شراء الحاجات الأساسية.
هذه المسافة بين الرقم والإنسان هي التي تجعل المسألة أكبر من مجرد لعبة في الأسواق.
لهذا اكتسبت التداولات التي سبقت بعض إعلانات ترامب، خلال الحرب مع إيران، أهمية استثنائية. لقد أثارت صفقات ضخمة في سوق النفط، سبقت إعلانات رئاسية مفصلية، أسئلة عن احتمال إفادة بعض المتعاملين من معلومات لم تكن متاحة للجمهور. في إحدى الوقائع، ظهرت رهانات تقارب 500 مليون دولار قبل إعلان أمريكي أدى إلى هبوط النفط. في واقعة أخرى بلغت الرهانات نحو 950 مليون دولار، قبل إعلان وقف إطلاق النار. هذه الوقائع لا تثبت وحدها وجود تلاعب، لكنها تكفي لطرح سؤال لا يمكن اختزاله في عبارة «السوق تتوقع»: كيف عرف بعض المتعاملين اتجاه القرار قبل أن يصبح القرار معلومة عامة؟
السوق تتوقع بالفعل، وهذه حقيقة لا ينبغي تجاهلها. المستثمرون يقرأون التصريحات، ويحللون المعلومات، ويبنون مراكزهم على السيناريوهات المحتملة. لكنّ هناك فارقًا جوهريًا بين توقع قرار سياسي، استنادًا إلى معلومات متاحة للجميع، وبين معرفة القرار قبل أن يصبح عامًا.
في الحال الثانية، لا تكون المعلومة مجرد معلومة.. تكون مالًا. من هنا؛ يصبح السؤال أكبر من ترامب نفسه: من يملك القدرة على معرفة اتجاه القرار قبل صدوره؟ من يملك شبكات الوصول إلى دوائر السلطة؟ من يستطيع تحويل هذه المعرفة إلى مراكز مالية قبل أن تصل إلى ملايين المستثمرين؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحًا؛ لأن السياسة الأمريكية لا تتحرك في فراغ. هناك صناعة دفاع وشركات طاقة ومؤسسات مالية وشبكات ضغط ومراكز نفوذ ومصالح تجارية ضخمة، تتحرك كلها داخل منظومة تتقاطع فيها السياسة الخارجية مع الاقتصاد.
ترامب لم يخترع هذه المنظومة، لكنه جعل العلاقة بينها أكثر وضوحًا وأقل حرصًا على إخفاء نفسها.
إذ إن الولايات المتحدة لا تملك فقط أكبر مركز مالي في النظام العالمي، تملك أيضًا قدرة استثنائية على إنتاج الصدمة الجيوسياسية. عندما تجتمع القوة العسكرية مع قوة الدولار، ومع القدرة على فرض العقوبات والتحكم في طرق الطاقة، يصبح القرار السياسي قادرًا على إعادة تسعير قطاعات كاملة من الاقتصاد العالمي.
السوق، في النهاية، لا تدفع الفاتورة وحدها.. هناك بشر يدفعونها.
ليست القضية أن ترامب يستطيع رفع النفط أو خفضه بتصريح. القضية أن رئيس الدولة، والتي تملك القدرة على التأثير في طرق الطاقة والعقوبات والحروب يستطيع، بمجرد إعلان اتجاه سياسي، يمكن أن يعيد توزيع مليارات الدولارات بين الرابحين والخاسرين.
إذ من الطبيعي أن يبحث رأس المال عن هذه اللحظة.
لكن عندما تصبح المسافة بين صاحب القرار وصاحب المصلحة المالية ضيقة إلى هذا الحد، يصبح السؤال السياسي والأخلاقي أكثر إلحاحًا: هل ما تزال السياسة تصنع القرار ثم تأتي الأسواق لتستجيب، أم أن مصالح السوق بدأت تشارك في صناعة القرار نفسه؟
في هذا الواقع؛ تتجاوز المسألة حدود ترامب.
ما نشهده ليس اختراعًا جديدًا، إنما هو مرحلة أكثر تطورًا من علاقة قديمة بين السلطة ورأس المال والحرب. الفرق أن التكنولوجيا المالية جعلت تحويل المعلومة السياسية إلى ربح أسرع من أي وقت مضى، ووسائل الاتصال الحديثة جعلت الرئيس قادرًا على تحريك الأسواق بتصريح واحد، والأسواق العالمية أصبحت مفتوحة على مدار الساعة.
لم تعد الحرب تحتاج إلى أن تبدأ كي تصبح قابلة للتداول..يكفي أن تكون محتملة.
يكفي أن يهدد بها رئيس، أو يتراجع عنها، أو يلوح بمضيق، أو يعلن عقوبة، أو يفتح باب تفاوض.
في كل حال، هناك من يشتري ومن يبيع، وهناك من يعرف قبل غيره.
أما من لا يملك سوى راتبه، أو متجره الصغير، أو مدخراته المحدودة، فلا يملك رفاهية المضاربة على الحرب. يصل إليه أثرها متأخرًا، لكنه يصل حتمًا، في سعر الوقود وكلفة الطعام وقيمة مدخراته، وأحيانًا في خوفه على بيت أو ابن أو مستقبل.
لذلك؛ فإن التحقيق الجدي في تداولات الطاقة والذهب المحيطة بقرارات ترامب لا ينبغي أن ينتهي عند سؤال: هل خالف شخص ما القانون؟ السؤال الأعمق هو: هل تحولت الجغرافيا السياسية نفسها إلى أصل مالي؟
إذا كان الأمر كذلك، فإننا أمام تحول خطير في معنى القوة. إذ إن الحرب لم تعد فقط وسيلة لفرض الإرادة على الخصم، أصبحت قادرة على إنتاج أرباح للمحيطين بها. كما أن الأزمة لم تعد مجرد تكلفة على الاقتصاد العالمي، أصبحت فرصة لمن يملك القدرة على توقعها، أو الوصول إلى معلوماتها، أو التأثير في مسارها.
.jpg)
منذ قرون، كان الرابح من الحرب هو من ينتصر فيها.
في زمن الأسواق المعولمة، قد يكون هناك من يربح قبل أن تبدأ الحرب، ومن يربح خلالها، ومن يربح من انتهائها.
الأخطر أن الإنسان الذي يدفع ثمن الحرب لا يظهر في شاشة التداول. لا يظهر بوصفه رقمًا في عقد نفطي، ولا شمعة صاعدة على رسم بياني، ولا خسارة في محفظة استثمارية.. يظهر فقط عندما يعود إلى منزله، ويكتشف أن ما كان يستطيع شراءه بالأمس صار اليوم أغلى، أو عندما يسمع خبرًا عن حرب جديدة ويدرك أن هناك من سيقرأ الخبر بوصفه مأساة، ومن سيقرأه بوصفه فرصة.
لذلك، ربما، لا يكون السؤال الأهم: من يربح الحرب؟
السؤال الأشد قسوة هو: من يربح من جعل العالم أكثر قابلية للحرب؟