كيف يجري القضاء على بيئة لبنان الطبيعية بصمت؟

post-img

محمد باقر ياسين

لا تتوقف آثار العدوان المستمر على لبنان عند حدود التدمير الهائل للبلدات والنزوح السكاني؛ يتعدى الأمر ذلك إلى تعمد ارتكاب جريمة "إبادة بيئية" ممنهجة (Ecocide) تهدف إلى القضاء الشامل على مقومات الحياة الأساسية في البلاد . من هذا المنطلق، يشن الاحتلال حربًا صامتة وطويلة الأمد تستهدف تفحيم التربة وتسميم المياه الجوفية وتدمير القطاع الزراعي، والذي يمثل بدوره شريان الحياة الاقتصادي لمئات القرى في الجنوب والبقاع، وذلك بالاعتماد الموثق على أسلحة كيميائية وحارقة محرمة دوليًا.

تأسيسًا على ما تقدم، يستعرض هذا التقرير الاستقصائي حجم الكارثة بالأرقام الرسمية والإحصاءات الميدانية الصادرة عن المؤسسات الحكومية والمنظمات الأممية الموثوقة.

1. جحيم الفوسفور الأبيض وإحراق 5000 هكتار وتفحيم الأحراج

استنادًا إلى التقرير الشامل المشترك الصادر عن وزارة البيئة اللبنانية، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي(UNDP)، تسببت الاعتداءات في تدمير وإحراق ما يزيد عن 5000 هكتار من الغطاء الحرجى والغابات والمساحات الخضراء. في سياق متصل، وثّق المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS) تنفيذ جيش الاحتلال لأكثر من 175 هجومًا مباشرًا باستخدام قذائف الفوسفور الأبيض الحارق والمحرم دوليًا، بموجب البروتوكول الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليدية.

لعل الأخطر، في هذا المشهد، هو تركز هذه الهجمات بشكل مرعّب فوق البلدات الحدودية؛ مثل: "الضهيرة، عيتا الشعب ورأس الناقورة"؛ حيث عندما تنفجر هذه القذائف في الأجواء، تولد حرارة خانقة تصل إلى 800 درجة مئوية، فيؤدي تلقائيًا إلى تفحم التربة السطحية واختلال شديد في حموضتها الطبيعية. هذا فضلاً عن موت الكائنات الحية الدقيقة والبكتيريا النافعة كافة، والتي تمنح الأرض خصوبتها وقدرتها على الإنبات.

2. اغتيال الزيتون المعمر وسلاح "الغليفوسات" الكيميائي

علاوة على ما تقدم؛ لم يقتصر الأمر على إشعال النيران، تعمد الاحتلال أيضًا استهداف الأمن الغذائي وسبل عيش المزارعين معتمدّا إبادة الثروة الشجرية التاريخية في جنوب لبنان. في هذا الصدد؛ تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، بالتعاون مع وزارة الزراعة اللبنانية، إلى أن القصف تسبب بتدمير 2,154 هكتارًا من البساتين المثمرة كليًا، من ضمنها 814 هكتارًا من أشجار الزيتون التاريخية المعمرة التي يمتد عمر بعضها لمئات السنين، بالإضافة إلى إتلاف 637 هكتارًا من بساتين الحمضيات والموز.

من ناحية أخرى؛ كشفت الفحوص المخبرية الصادرة عن مختبرات المجلس الوطني للبحوث (CNRS) أن طائرات الاحتلال تعمدت رش الأراضي الحدودية بمبيد الأعشاب الكيميائي السام "غليفوسات" (Glyphosate) بجرعات مكثفة للغاية. أظهرت التحاليل وجود تركيزات بلغت 22.75 ميكروغرامًا لكل غرام من التربة، وهي مستويات مرعبة تتجاوز المعدل الزراعي الطبيعي بنحو 20 إلى 30 ضعفًا، بهدف قتل الخلايا النباتية في الأعماق ومنع الأهالي من إعادة زراعة أراضيهم، على مدى سنوات طويلة قادمة.

3. قنبلة التربة الموقوتة وترسبات النانو والمعادن الثقيلة

بالتوازي مع ذلك؛ شهدت المحافظات الجنوبية ومحافظة البقاع تلوثًا كيميائيًا غير مرئي يهدد سلامة المواطنين الصحية، بشكل متراكم. نتيجة لذلك، أجرت جمعيات بيئية متخصصة، مثل "الجنوبيون الخضر"، تحاليل عينات من التربة في بؤر القصف العنيف ومواقع انفجار الصواريخ الثقيلة والارتجاجية الخارقة للتحصينات. حسبما بينت النتائج، فإن تركز مادة الفوسفور المتبقية في الأرض سجل معدلات قياسية؛ بلغت 1,858 جزءًا في المليون (ppm).

الجدير بالذكر أن هذا التراكم لا يتوقف عند السطح فحسب، يمتد أيضًا ليشكل كتلًا سامة من المعادن الثقيلة والخطيرة مثل الرصاص والكادميوم والأسبستوس واليورانيوم المنضب الناتج عن القنابل الضخمة. نظرًا إ‘لى خطورةهذه المواد كـ "قنبلة كيميائية موقوتة"، فإن هطول الأمطار الموسمية يجرف هذه المواد السامة لتتسرب ببطء إلى باطن الأرض، مستهدفة تلوث المياه الجوفية ومجاري الأنهار الأساسية، مثل نهري الليطاني والوزاني، ما يؤدي بالتبعية إلى نقل السموم إلى مياه الشرب ومياه ري المزروعات، ما يعني دخولها مباشرة في السلسلة الغذائية للإنسان وحليب المواشي.

جريمة متواصلة تتطلب تدخلًا حقوقيًا ودوليًا عاجلًا

ختامًا، إن هذه الانتهاكات البيئية الإسرائيلية الصارخة في لبنان لا يمكن إدراجها تحت بند الأضرار الجانبية للمعارك، هي إستراتيجية عسكرية واضحة تعتمد "سياسة الأرض المحروقة والمسمومة" لعزل المناطق الحدودية وجعلها غير قابلة للحياة البشرية أو الاستثمار الزراعي مستقبلًا. مع استمرار الغارات والخرق الدائم للأراضي اللبنانية، تتسارع وتيرة التلوث الجوي والكيميائي لتسجل خطرًا داهمًا يرفع نسب الإصابة بالأمراض التنفسية الحادة والتشوهات الخلقية في الأجنة، وتفشي الأورام السرطانية بشكل غير مسبوق في صفوف السكان.

لذلك؛ يتطلب هذا الواقع المأساوي تدخلًا دوليًا فوريًا وحازمًا من برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) والمجتمع الدولي؛ لإجبار الاحتلال على وقف هذه "الجرائم البيئية ضد الإنسانية"، بالتزامن مع إرسال فرق طبية وعلمية دولية متخصصة لمساعدة الدولة اللبنانية في معالجة التربة وتطهير المياه الجوفية، قبل تحول الكارثة إلى دمار صحي شامل يمتد إلى جيل كامل.

المصادر والمراجع:

1- وزارة البيئة اللبنانية (وزارة البيئة اللبنانية): التقرير الوطني الشامل حول الأثر البيئي للنزاعات المسلحة (بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP)؛ المسح الميداني للمساحات الحرجية والغابات المتضررة بالهكتارات في الأقضية الجنوبية والبقاعية.

2- المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان (CNRS): التقارير الدورية لغرفة العمليات وإدارة الكوارث؛ رصد وتوثيق عدد الهجمات بالقذائف الفوسفورية والارتجاجية، والتحاليل المخبرية لعينات التربة التي ثبت فيها وجود مادة "الغليفوسات" ومخلفات المعادن الثقيلة.

3- وزارة الزراعة اللبنانية (وزارة الزراعة): الإحصاء الميداني لخسائر القطاع الزراعي والحيواني؛ المسح الشامل للمساحات الزراعية المتلفة وبساتين الحمضيات وأشجار الزيتون التاريخية المعمرة.

4- منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO): تقارير تقييم الأمن الغذائي وسبل العيش في مناطق النزاع؛ دراسات الأثر بعيد المدى لتلوث التربة بالمبيدات الكيميائية على القدرة الإنتاجية الزراعية في جنوب لبنان.

5- برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP): الدراسات العلمية حول التلوث الكيميائي ومخلفات الحروب في الشرق الأوسط؛ رصد آلية ترسب جزيئات النانو والمعادن الثقيلة وتأثيرها على المياه الجوفية ومجاري الأنهار (الليطاني والوزاني).

6- منظمة "الجنوبيون الخضر" (Green Southerners): التقارير البيئية الميدانية والتحاليل المستقلة؛ توثيق التغيرات الحيوية في البيئة الجنوبية، وقياس نسب الفوسفور المتبقي في التربة (جزء في المليون ppm) في بؤر الاستهداف المباشر.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد