ربى أبو فاضل (صحيفة الديار)
في بلد باتت فيه كلفة التنقل عبئا يوميا يثقل كاهل العائلات اللبنانية، لم يعد النقل المشترك مجرد وسيلة للوصول إلى العمل أو الجامعة، بل أصبح خيارا يساعد المواطنين على مواجهة ارتفاع النفقات وتراجع القدرة الشرائية.
فبين كلفة المحروقات والصيانة والتأمين، تستنزف السيارة الخاصة جزءا متزايدا من ميزانيات الأسر، لا سيما الموظفين الذين يتنقلون يوميا من مناطق بعيدة إلى العاصمة، والطلاب الذين يقصدون الجامعات، وهنا تبرز الحافلات العامة كخيار أقل كلفة، يمكن أن يخفف الأعباء المالية والضغط على الطرقات.
ولا تقتصر أهمية النقل المشترك على التوفير، بل تمتد إلى تسهيل الوصول إلى العمل والتعليم وتعزيز الشعور بالأمان.
شهادات تشيد
وفي هذا الإطار، أشادت الطالبة الجامعية علا بتجربتها مع الباصات العامة في بيروت، وقالت لـ" الديار" أنها "توفر راحة وأمانا أفضل، مقارنة ببعض وسائل النقل الخاصة".
كما أشار علي داود البالغ 76 عاما إلى التنظيم الذي لمسه خلال تجربته الأولى مع الباص العام.
وتروي إحدى السيدات التي فضلت عدم الكشف عن هويتها، أن "تنقل ابنتي إلى الجامعة اللبنانية في الحدث، كان يستنزف جزءا كبيرا من ميزانية الأسرة، قبل أن يسهم اعتماد الباص في خفض النفقات" وتضيف أن "هذا الخيار منحني طمأنينة أكبر، وخفف قلقي على ابنتي من التحرش والكلمات البذيئة والقيادة المتهورة، "ما عدت اعتل همها".
أما أمجد فأكد أن كلفة وصولي إلى العمل "كانت تستهلك نحو 70 % من راتبي الشهري قبل اعتمادي النقل المشترك" ، مضيفا "لولا النقل المشترك لتركت العمل، فالبقاء في المنزل أفضل".
هذه الشهادات تكشف أن النقل المشترك قد يساعد العائلات على حماية دخلها، والطلاب على متابعة تعليمهم، والعاملين على الاحتفاظ بوظائفهم، شرط توافر خدمة منتظمة تلبي احتياجاتهم اليومية.
هبات خارجية وخطوط إضافية
وفي مواجهة هذه الحاجة، تسعى الدولة إلى إعادة إحياء النقل العام، بالاستفادة من الهبات الخارجية والشراكة مع القطاع الخاص. ففي أيار 2022 تسلم لبنان 49 باصا من فرنسا، ثم تلقى 30 باصا من قطر في كانون الأول 2025 ، و20 باصا من سلطنة عمان في أيلول 2026.
وعلى مستوى التشغيل، أفادت تقارير إعلامية عن انه في تشرين الأول 2025 ، كان 93 باصا يعمل على 11 خطا. وفي أيلول 2026 أعلن وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، أن خمسة خطوط إضافية قيد التطوير، ليصل العدد المستهدف إلى 16 خطا، مشيرا إلى إمكان تشغيل نحو 500 باص مستقبلا، إذا توافرت المركبات والموارد اللازمة.
تخفيف الازدحام والتلوث
ولا تقتصر فوائد النقل المشترك على خفض النفقات، بل تشمل أيضا تخفيف الازدحام المروري، والحد من التلوث الناتج عن كثرة السيارات الخاصة. فكلما توسع استخدام الحافلات وتوافرت خطوط منتظمة، تراجعت الحاجة إلى استخدام السيارات الفردية، ما يساهم في تخفيف الضغط على الطرقات وتحسين جودة الهواء.
لكن نجاح هذه الخطوات يبقى مرتبطا باستدامة الخدمة، وتوسيع تغطيتها الجغرافية وتأمين الصيانة والوقود وانتظام المواعيد. فالتحدي لا يكمن في زيادة عدد الباصات فحسب، بل في بناء شبكة موثوقة يستطيع المواطن الاعتماد عليها يوميا، بما يجعل النقل المشترك حلا فعليا للأعباء الاقتصادية والمرورية في لبنان.