فوضى تفسير العفو العام: تأويلات سياسية وقضائية

post-img

ندى أيوب (صحيفة الأخبار) 

من على منبر المجلس الدستوري، انبرى مدعي عام التمييز أحمد رامي الحاج إلى توسيع حدود صلاحياته، في عهد سلطة جوزيف عون ونواف سلام، اللذين أكّدا أن «بناء الدولة» يتصدّر أولوياتهما. لكن بناء الدولة يفترض، قبل أي شيء، احترام السلطات حدود صلاحياتها، واحترام كلّ منها الأخرى، والالتزام بالقرارات الملزمة، ومنها قرارات المجلس الدستوري. ففيما أصرّ الحاج، بنبرة مرتفعة، أمس، على أن زيارته للمجلس «ليست انقلاباً» على قراراته المتصلة بقانون العفو العام، كان يتمسّك بتفسير يحدّد بموجبه مدد السجن للأحكام الصادرة بالإعدام والمؤبّد، على نحو يخالف ما خلص إليه المجلس، مستنداً إلى اجتهاد قانوني سبق أن كلّف المحامي العام التمييزي محمد صعب بإعداده.

وإذا كان الحاج يؤكد احترام قرارات المجلس الدستوري وعدم القفز فوقها، فما الذي استدعى طلب اجتهاد قانوني صادف أنه يخدم قضية الموقوفين الإسلاميين، وفي مقدّمهم أحمد الأسير، عبر تقصير مدة سجنهم؟ وما الذي استدعى إصدار تعميم يخالف تفسير «الدستوري»، وصادف أيضاً أنه يحول دون الإفراج عن معظم الموقوفين في قضايا المخدرات؟ ثم كيف أمكن أن يخطئ النواب السنّة والقضاة والحقوقيون والصحافيون والرأي العام، في فهم قرار المجلس الدستوري المتعلق بقانون العفو العام، فيما تولّى الحاج وحده إيضاح مضامينه؟ قبل أن يكتمل المشهد بزيارته المجلس تحت عنوان «توحيد تفسيرات القانون».

يحصل ذلك كلّه وسط صمت المشرّعين الذين وضعوا قانون العفو العام. وإذا كان ثمة مخرج لائق من مهزلة التفسيرات والتركيبات السياسية والطائفية، فهو أن يستعيد مجلس النواب المبادرة، مستفيداً من الثغرات التي كشفتها الأزمة، لإقرار قانون عفو جديد يوضّح مواضع الالتباس ويمنع التأويلات المتضاربة، بالتعاون مع مجلس القضاء الأعلى، تفادياً لصدور أحكام متناقضة في قضايا متماثلة.

تتركّز الجدلية أساساً على ملفّين: قضايا المخدرات، واحتساب السنوات السجنية لأحكام الإعدام المستبدلة بالمؤبّد.

في قضايا المخدرات، نصّ القانون الذي أقرّه مجلس النواب على عدم استفادة من تتضمّن ملفّاته جنايات تكرار أكثر من مرتين من العفو العام، سواء صدرت فيها أحكام أم لم تصدر. وتفتح هذه الصياغة باب التأويل؛ إذ إن عبارة «جنايات التكرار أكثر من مرتين» تُفهم على أنها تفترض صدور حكمين مبرمين بحق الشخص، فيما عبارة «سواء صدرت أحكام أم لم تصدر» تعني ملاحقات قائمة ولم تصدر أحكام بشأنها.

وفي قراره، اعتبر المجلس الدستوري أن المقصود هو الأحكام المبرمة. وبناءً على هذا التفسير، بدأت المحاكم إخلاء سبيل موقوفين لا يتضمّن سجلّهم العدلي أكثر من حكمين مبرمين، من دون طلب إفادات عن الملاحقات الجارية بحقهم. لكن الحاج تبنّى تفسيراً آخر، مفاده أن العفو لا يشمل من صدرت بحقهم أكثر من حكمين مبرمين، وأكثر من ملاحقتين، وأصدر تعميماً بهذا المعنى، ثم كرّر موقفه أمام المجلس الدستوري.

عملياً، كان من شأن تفسير المجلس أن يوسّع نطاق المستفيدين من العفو ليشمل عدداً كبيراً من تجار المخدرات ومروّجيها، وفي مقدّمهم نوح زعيتر، فيما يُبقي تفسير الحاج دائرة المستفيدين أضيق بكثير.

28 سنة أم 17 سنة؟

أما الخلاف بشأن عقوبات الإعدام والأشغال الشاقة المؤبّدة، فيتصل أساساً بالموقوفين الإسلاميين، وينبع من التداخل بين قانون إلغاء عقوبة الإعدام وقانون العفو العام. فقد استبدل قانون إلغاء عقوبة الإعدام هذه العقوبة بالأشغال الشاقة المؤبّدة، فيما خفّض قانون العفو العام مدة سجن المحكومين بالإعدام إلى 28 سنة، ومدة سجن المحكومين بالأشغال الشاقة المؤبّدة إلى 17 سنة.

وحسم المجلس الدستوري المسألة، وفق تفسيره للقانون، باحتساب مدة السجن للمحكومين بالإعدام الذين استُبدلت عقوبتهم بالأشغال الشاقة المؤبّدة بـ28 سنة، من دون إخضاعها للتخفيض الذي يجعل مدة عقوبة الأشغال الشاقة المؤبّدة 17 سنة. والغاية من ذلك منع مساواة من صدرت بحقهم أحكام بالإعدام ثم استُبدلت عقوبتهم بمن حُكم عليهم أصلاً بالأشغال الشاقة المؤبّدة (17 سنة).

ويحول هذا التفسير دون الإفراج عن عدد كبير من الموقوفين الإسلاميين، كما يؤخّر خروج آخرين أمضوا 12 سنة في السجن، ووُعدوا بأن المدة المتبقية لهم لا تتجاوز خمس سنوات، فيما يفرض تفسير المجلس احتساب مدة السجن بـ28 سنة. وينطبق ذلك على أحمد الأسير أيضاً، ما يعني، وفق هذا الاحتساب، أنه لن يخرج قبل نحو تسع سنوات.

في المقابل، اعتبر الحاج أن المحكومين بأحكام إعدام مبرمة يُسجنون 28 سنة، فيما تُحتسب مدة السجن للمحكومين بأحكام إعدام غير مبرمة بـ17 سنة. وفي هذا السياق، أعدّ صعب دراسة تتيح للأسير الخروج في خلال نحو عام ونصف العام. وتقوم الدراسة التي حصلت «الأخبار» على نسخة منها، على أن احتساب مدة السجن بـ28 سنة يقتصر على من بقيت أحكام الإعدام الصادرة بحقهم قائمة قبل صدور قانون إلغاء عقوبة الإعدام. أما من استُبدلت عقوبة الإعدام بحقهم بالأشغال الشاقة المؤبّدة بموجب أحكام قضائية استناداً إلى أسباب تخفيفية، فتُحتسب مدة سجنهم بـ17 سنة، باعتبار أن العقوبة النهائية التي قضت بها المحاكم هي الأشغال الشاقة المؤبّدة.

كذلك، يطالب صعب باستثناء المحكومين بالإعدام الذين نُقضت أحكامهم ولا تزال محاكماتهم جارية أمام محكمة التمييز من احتساب مدة السجن بـ28 سنة، على أساس أن الحكم المنقوض فقد مفاعيله القانونية، ولا يجوز الاستناد إليه لتحديد العقوبة أو ترتيب آثار قانونية عليه. وينطبق هذا الاجتهاد على الأسير، الذي نُقض حكم الإعدام الصادر بحقه، ما لم تصدر محكمة التمييز العسكرية حكماً جديداً يحدّد مدة العقوبة السجنية.

هل من إيعاز سعودي؟

مع صدور قانون العفو العام، احتجّ أهالي الموقوفين الإسلاميين بدلاً من الاحتفال، بعدما شكّل القانون مطلباً أساسياً للشارع السنّي في لبنان. ولم تكن المشكلة في احتساب السنوات السجنية، بل كذلك في استثناء مرتكبي جرائم الإرهاب من الاستفادة من العفو، وهو الجرم اللاحق بالكثير من الإسلاميين الموقوفين. ثم أتى تفسير القانون بشكلٍ يسمح بإطلاق سراح معظم الموقوفين في قضايا المخدرات، ومعروف أنّ غالبيتهم تنتمي إلى الطائفة الشيعية. وكما كلّ شيء في لبنان، طُيّفت مقاربة الملف، وبدأ الحديث بعدم جواز استفادة مجموعة طائفية من القانون ما دامت لم تستفد منه مجموعة أخرى. ووفق أوساط معنية، ما زاد استياء الشارع السنّي، هو أن يحصل ذلك، بعد وصول حكم إسلامي إلى دمشق، نفض بنتيجته سنّة لبنان حال الإحباط التي لازمتهم منذ أن جعلتهم السعودية مجموعةً بلا زعيم ولا مرجعية. ولا تستبعد الأوساط، أنّ يكون هناك إيعاز سعودي وراء تفسيرات قانون العفو العام بشكلٍ يعدّل الكفة نوعاً ما بين الطوائف المستفيدة منه، ويقلل الضرر عن الإسلاميين.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد