يخضع سؤال الثقافة الفلسطينية اليوم لتساؤلات متعددة؛ تتعلق بالشرط الإبداعي والشرط السياسي، وسط التراجع الممتد منذ انتهاء زمن ما عُرف بالحرب الباردة، وظهور ثقافة اللامعنى، وصولًا إلى ما يمكن أن نسميه ثقافة الانهيار، التي طالت معظم دول العالم، باعتباره قرية صغيرة، والدول العربية، باعتبارها مختبر تجارب للتحولات الكبرى الإقليمية والدولية.
في فلسطين، وعلى سبيل النجاة من حالة الانهيار، وحفاظًا على قيم الثقافة الوطنية الفلسطينية ومبادئها، نشأ ما عُرف باسم الأدب المقاوم، وأدب الانتفاضة، وأدب السجون، وأدب الشتات، في الشعر والرواية والقصة وكتابات البوح، على أيدي حملة الأقلام والإبداع، حراس الذاكرة ومخزن الكلمات، الذين لا يدورون حولها، بل يفتشون في جيوب الألفاظ وسحر الكلام، ويكتبون بلغة المجاز والحبر والرصاص، بعيدًا عن ثقافة المناسبات والتكرار والتواطؤ الحاصل اليوم بين السياسي والمثقف، وهو ما أنتج ما يُعرف بثقافة وأدب الأنشطة والمناسبات، حيث يحضر الروتين المرتبط بالفقر الثقافي، بعيدًا عن الإبداع والحلم الجميل، في زمن تُردم فيه الأحلام الجميلة تحت ركام المنازل، وصقيع المنافي، وأوجاع المخيمات.
أنتج الأدب الفلسطيني، في سياق مسيرته الحافلة بالإبداع، أسماء كبيرة تركت بصماتها في تاريخ العمل الثقافي، الذي يواجه اليوم أسئلة صعبة تتعلق بجيل المبدعين، وصعوبة الظروف التي تحاصر الأجيال الجديدة وتحدّ من قدرتها على الاستمرار والتجديد. وهي ظروف تشبه، إلى حدّ ما، تلك التي عاشها جيل المبدعين، مثل محمود درويش، الذي جعل من القصيدة مساحة تتسع لحلم شعب بأكمله، وغسان كنفاني، الذي استطاع أن يحوّل الحكاية الفلسطينية إلى أدب إنساني عميق. وكتب أيضًا سميح القاسم، وتوفيق زياد، وإميل حبيبي، وجبرا إبراهيم جبرا، وغيرهم من المبدعين، عن الإنسان الفلسطيني وصموده وكفاحه من أجل البقاء على أرضه. وقد ترك رحيلهم فراغًا ثقافيًا لا يمكن ملؤه بمجرد تكرار تجاربهم واستعادة لغتهم؛ فالإبداع الحقيقي لا يقوم أصلًا على تقليد الكبار، بل على تجاوزهم نحو آفاق جديدة، وهذا ما لم يحصل بعد.
تعاني الأسماء الجديدة التي تحضر في المناسبات صعوبات لا تتوقف عند الظروف السياسية والأمنية والحروب؛ فهناك أيضًا أزمات النشر والتوزيع، وضعف المؤسسات الثقافية، ومحدودية فرص الدعم والاحتضان، وصعوبة التفرغ للكتابة في ظل الحاجة إلى تأمين متطلبات الحياة. والموهبة تحتاج، فيما تحتاج إليه، إلى وجود مشروع أدبي متكامل وبيئة تسمح للكاتب بتطوير أدواته وسط الكثير من التحديات.
إن دعم الكاتب الفلسطيني بعيدًا عن استحضاره بوصفه فقرة في احتفال هو استثمار في الذاكرة الوطنية، وفي تعزيز قدرة المجتمع على فهم ذاته وصوغ رؤيته للمستقبل، ومساهمة حقيقية في بناء جسور التواصل بين الناس، وبين الداخل والشتات. والمجال مفتوح في المشهد الثقافي أمام تجارب مهمة قليلة تنمو على الهامش، بعيدًا عن المؤسسات الثقافية والأضواء الإعلامية. وهذه التجارب قادرة على كتابة فلسطين، الوطن والمنفى، بكل ما فيها من صمود وتناقض وأمل.
وإذا كان جيل الرواد قد كتب كي لا ننسى فلسطين، فإن الأدباء الفلسطينيين اليوم يكتبون كي تبقى فلسطين حاضرة في الوعي وعصية على النسيان، من دون تكرار أو عقدة ظهور أو إعادة تدوير للنصوص القديمة. وهذه مسألة تحتاج إلى شجاعة نقدية تتجاوز المجاملات واحتفالات التكريم والتوقيع وبلاغة البيانات، وادعاءات التجديد التي لا تجد ما يسندها في النصوص الفاشلة في تحويل المأساة إلى أدب، والذاكرة إلى بنية فنية، والهوية إلى سؤال إنساني مفتوح، بما يمنح التجربة الفلسطينية شكلًا فنيًا قادرًا على تجاوز كل الحدود.
مع الإشارة إلى أن التكرار يمنح الكاتب شعورًا زائفًا بالإنجاز، ويمنح القارئ ما ينتظره سلفًا، من دون أي متعة أو فائدة أو تسلية. وهذا جزء مما نحتاج إليه من ثقافة تعكس الوقائع الوطنية في أبعادها السياسية والاجتماعية؛ ثقافة جديدة تكون فيها الوقائع الثقافية أثرًا لوقائع عملية، تتجاوز ثقافة السكون والمناسبات التي تضر بالجمال والهدف.
إن احترام فلسطين يقتضي ألّا نرضى لها أدبًا يستسهل الألم أو يكرّر المأساة. فليس كل صرخة في مهرجان أو أمسية تُسمّى شعرًا، وليس كل خروج عن المألوف تجديدًا. والأدب ليس روايات مليئة بالشعارات، ولا قصائد تشبه لغة البيانات، ولا مسابقة في صدق النوايا، بل هو امتحان للقدرة على تحويل التجربة إلى شكل فني مقنع وجميل، يصل إلى مناطق لا تستطيع الشعارات الوصول إليها بوصفها فكرة مكتملة.
ويتجلى ذلك في كثير من النصوص التي يظهر فيها المخيم خلفيةً ثابتة، والمنفى استعارةً مستهلكة، والعودة خاتمةً عاطفية، والذاكرة مخزنًا للصور، من دون أي إضافة إبداعية جديدة، في مشهد أدبي وثقافي فلسطيني مختنق بوجود من يتخذون الكتابة سُلّمًا لمصالحهم، وبعقدة الأنا التي تجعل الكاتب منشغلًا بصناعة صورة له أكثر من انشغاله بصناعة نصه، وما يمكن أن ينجزه على صعيد اللغة والبناء والرؤية.
وإذا كان من الضروري الاستفادة من التجارب السابقة، فإن الحذر مطلوب إزاء ما يُنشر ويُحتفى به في المهرجانات والمعارض والمناسبات السياسية؛ لأن التساهل في الكتابة باسم القضية لا يخدم القضية. والحذر مطلوب أيضًا من الاعتياد على حضور الثقافة ملحقًا على هامش المناسبات السياسية، التي لا يمكن من خلالها قياس حيوية المشهد الثقافي الفلسطيني.
وفي هذا المجال، نحتاج إلى مؤسسات تترك أثرًا ملموسًا، ولا سيما في دعم الكاتب الفلسطيني، الذي يحتاج إلى منظومة شجاعة تحيط به، لا إلى مزيد من الرثاء.
سيبقى الأدب الفلسطيني حاضرًا بوصفه تجربة، لا فقرة في مهرجان سياسي. فهو يمتلك لغة تكشف ما لم يُكشف، وتقول ما لم يُقل. ويمكن للمناسبات أن تكون جسورًا نحو الإبداع، لا بديلًا عنه. وإذا كان من الطبيعي أن تكون للسياسة مناسباتها، فمن غير المقبول أن تصبح هذه المناسبات هي الثقافة نفسها، في ما يشبه الاستهتار بالأدب الفلسطيني، الذي يستحق أن يُقرأ ويُناقش ويُنتقد ويُترجم، وأن يُختلف حوله، وأن يبقى حيًا خارج المناسبات، في الكتب والعقول والضمائر.