اوراق خاصة

هذه أطماع "إسرائيل" التاريخية في لبنان

post-img

حسين كوراني

مع كل عدوان إسرائيلي على لبنان، تعود هواجس الأطماع التاريخية الصهيونية لتداهم ذاكرة أبناء هذا البلد الصغير. ظهرت هذا الأطماع في وثائق وخرائط وأدبيات ومواقف صهيونية قبل الحرب العالمية الأولى، وفي أثناء اتفاقية سايكس - بيكو في العام 1916 ووعد بلفور في العام 1917... فما هي قصّة هذه الأطماع الصهيونية في لبنان وتحديدًا جنوب نهر الليطاني؟ هل يجب على اللبنانيين أن يخشوا اليوم تغييرًا حدوديًا وديموغرافيًا نتيجة العدوان المستمر على بلدهم؟.

في الحقيقة؛ إن أكثر ما يثير التساؤل عن هذه الأطماع، أن جهود "إسرائيل" مركّزة بالمدى القريب على منطقة جنوب نهر الليطاني والوصول الى النهر تحديدًا. هذا الذي ما تزال تطالب به دائمًا بسحب سلاح المقاومة من جنوب النهر وإبعاد مقاتليها إلى شماله، وأصّرت على مجلس الأمن الدولي إصدار قرارات تتعلق بهذا الشأن، وكأنّما حدود النهر هي ما يعنيها اليوم أكثر من أي شكل للحدود.. وإن ساقت سرديات أخرى أبعد من ذلك، مثل تأمين حدود كيانها وأمن مستوطناتها الشمالية من هجمات المقاومة.

إذ بات من الواضح أن إصرار كيان العدو بجعل منطقة جنوب الليطاني خالية من المقاومة والسلاح هدفه اجتياح هذه المنطقة بسهولة وضمها الى مخططه التوسعي الذي يندرج ضمن رؤية "إسرائيل الكبرى"، والتي صرّح عنها مؤخرًا رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو. تاليًأ؛ يصبح النهر الذي طالما حلم الكيان بالإفادة من مياهه العذبة وإقامة المشاريع الاقتصادية عليه ضمن حدوده.

ما يؤكد هذا الواقع، الأبحاث والدراسات الكثيرة التي تناولت مسألة الأطماع الإسرائيلية في لبنان بالإضافة الى تصريحات قادة الاحتلال. إذ راح القياديان البارزان في الحركة الصهيونية حاييم وايزمان وديفيد بن غوريون يطالبان بـ"توسيع الحدود الشمالية لفلسطين لتشمل المناطق المتاخمة للجزء الجنوبي من نهر الليطاني". بعد إعلان الفرنسيين "لبنان الكبير"، في العام 1920، حاول وايزمان إقناع الجنرال الفرنسي غورو بأهمّية مياه الليطاني بالنسبة إلى فلسطين، وخلال مؤتمر السلام في باريس الذي عُقِد من كانون الثاني 1919 وحتى كانون الثاني 1920، كانت الحركة الصهيونية تطالب بحدود "للوطن اليهودي" تصل إلى صيدا.

أحد دوافع هذه الحركة الأساسية المعلنة، حينذاك، يتمثّل بالثروة المائية. إذ طالبت تلك المذكّرة بضرورة "التوصّل إلى ترتيب دولي يضمن حماية الحقوق المائية للناس الذين يقيمون في جنوب نهر الليطاني بشكل عام". المقصود هنا الاتّفاق على شروط استخدام مياه الليطاني بين الدولة التي ينبع منها، أي لبنان (المستقبلي)، و"الدولة" التي يصبّ فيها أي الكيان الصهيوني الذي يجب أن تصل حدوده إلى جنوب صيدا، مرورًا بمصبّ نهر الليطاني.

بالإضافة إلى الدوافع المائية والاقتصادية، والتي شدّد عليها وايزمان في العام 1920، في مراسلاته مع آرثر جيمس بلفور وزير الخارجية البريطاني، حين أصدر وعده بقيام وطن قومي لليهود في فلسطين. ثمّة، أيضًا، دوافع أيديولوجية وراء محاولة ضمّ جنوب لبنان إلى "الدولة اليهودية". من منطلق "الأسبقية" في الأرض، والتي تطرح لتسويغ مقولة "الملكية التاريخية" لليهود في فلسطين، يستند الصهاينة إلى "الكتاب المقدّس" للادعاء بأن "أرض إسرائيل" تشمل، بين ما تشمله، الأراضي التي انتشرت فيها قبيلة نفتالي اليهودية في ضفّتي نهر الليطاني، وتلك التي عاشت فيها قبيلة "أشير" اليهودية في منطقة صيدا التي كانت تضمّ أقليةً يهوديةً في التاريخ المعاصر.

بعد إعلان دولة لبنان الكبير، بحدوده التي فرضها الفرنسيون من النهر الكبير شمالًا وحتى رأس الناقورة جنوبًا في أيلول 1920، رأى الصهاينة أن هذه الحدود تمثّل "كارثةً". لكن عبثًا حاول وايزمان إقناع الجنرال الفرنسي هنري غورو (معلن تأسيس لبنان) "بأهمّية مياه أنهار الليطاني والحاصباني والوزاني بالنسبة إلى فلسطين". كما يروي وايزمان في مذكّراته. لاحقًا، فشلت محاولة التواصل مع سلطات الاحتلال الفرنسي من أجل الحصول على إذن لتشييد مستوطنات صهيونية في جنوب لبنان، في عشرينيات القرن العشرين.

لم تنتهِ مطامع "إسرائيل" في الليطاني، لا بعد النكبة (1948) وتأسيسها، ولا بعد النكسة (1967) وتوسعة الحدود على نحو مطّرد. خلال الحروب الإسرائيلية على لبنان، جاهر قادة العدو بمزاعم حول حقّهم في الإفادة من الليطاني، فأطلقوا على أول اجتياح لجنوب لبنان في العام 1978 اسم "عملية الليطاني"، وتكرّر اسم الليطاني خلال حروب (1982 و1993 و1996 و2006).

في حرب 1967، ومن على هضبة الجولان السورية، قال وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك موشيه دايان إن: "لبنان سيكون الفريسة التالية لإسرائيل". أما اليوم، وفي ظلّ تطلّعات اليمين المتطرّف الإسرائيلي من أجل بناء "إسرائيل الكُبرى" ضمن رؤيتهم أن: "لبنان جزء من التصوّر التوراتي لأرض الميعاد".

هناك ثمّة حرب إعلامية ونفسية تخوضها "إسرائيل" على المستوى الرسمي وغير الرسمي ضدّ لبنان. يتعلّق الأمر بخطابات ودعاية لا تخلو من تلميحات علنية إلى أن أهداف "إسرائيل" تتجاوز مسألة حزب الله وسلاحه وإعادة مستوطني شمال فلسطين المحتلّة إلى منازلهم. ثمّة أهداف تصل إلى حدّ المطالبة باستيطان جنوب لبنان أو توسيع حدود إسرائيل حتى نهر الليطاني.

كما كان لافتًا، في هذا المضمار، تصريح المتحدّث باسم الحكومة الإسرائيلية ديفيد مينسر، في اليوم التالي للعدوان على لبنان في 24 أيلول 2024، بأن: "نهر الليطاني هو حدود إسرائيل الشمالية"، فيما يذهب وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرّف بتسلئيل سموتريتش، أبعد من ذلك، عندما يعبّر عن أمله في توسيع الحدود إلى عمق الأراضي العربية التزامًا بالكتاب المُقدّس اليهودي، مضيفًا أن "قَدَر القدس أن تمتدّ إلى دمشق". أما كبير حاخامي الحاييم إسحق غنزنبورغ، فيطلق في أواخر أيلول 2024 دعوة علنية من أجل "استيطان لبنان (الذي هو) جزء من الأرض الممنوحة لإسرائيل… إلى نهر الفرات"، بحسب تعبيره.

منذ حرب "إسناد غزة" في 8 تشرين الأول 2023، لم تتوقّف المبادرات الصهيونية التي تروّج لاستيطان جنوب لبنان؛ حيث بدأت حركة استيطانية إسرائيلية منذ اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في 27 أيلول للترويج لفكرة "شقق لجنود الاحتياط ابتداءً من 300 ألف شيكل.. نحن على بعد قرار استراتيجي لنواصل قضم جنوب لبنان ومنع سكّانه من العودة. فأسهموا بحدوث ذلك، انضموا إلينا".

في المحصلة، "إسرائيل" لم تخفِ يومًا طموحاتها التوسعية في لبنان والوصول للسيطرة على نهر الليطاني الذي تعدّه حقًا مقدسًا لها، ولا في السيطرة على نهري الحاصباني والوزاني، وجميع هذه الأنهار باردة وصالحة للشرب وهي بأمس الحاجة اليها. إذ إنها أخذت تعاني، منذ مدة طويلة، من أزمة المياه الجارية والجوفية وخاصة مياه الشرب بعد أن تبين أن بحيرة طبرية وجميع روافد فلسطين المحتلة من المياه الدافئة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد