معتز منصور/ باحث سياسي
تعطيل استخدام شبكة ستارلينك، داخل إيران، يمثل تطورًا استراتيجيًا مهمًا في سياق الحرب الرقمية والحرب المركبة الحديثة، لكنه لا يرقى، وفقًا للمعطيات المتاحة علنًا، إلى مستوى تعطيل شبكة النظام الفضائي العالمي.
الحدث يتجاوز كونه إجراءً تقنيًا مؤقتًا، لكنه يكشف حدود التفوق الرقمي الغربي عندما يصطدم ببيئات سيادية تمتلك القدرة على اتخاذ القرار السياسي والأمني، وتتعامل مع الفضاء الرقمي على أنه ساحة صراع نشطة، لا مساحة محايدة أو آمنة بشكل مطلق. هنا تتضح الفكرة الجوهرية التي ينبغي تثبيتها، وهي أن السيطرة على التكنولوجيا لا تعني بالضرورة السيطرة على المعلومات، ولا على الميدان المرتبط بها.
التحرك الإيراني يعكس انتقالاً واعيًا من الاعتماد على القوة العسكرية التقليدية إلى التركيز على التحكم في الطبقة الأرضية للشبكات الفضائية والفضاء الكهرومغناطيسي. هذا التحول يعبر عن فهم معمق لطبيعة الحروب المركبة التي تعتمدها الدول الداعمة للمقاومة. إذ تتكامل الأدوات الميدانية والأمنية والسيبرانية ضمن استراتيجية واحدة تهدف إلى تقليص فعالية التفوق الغربي بدل محاولة مجاراته تقنيًا بشكل مباشر.
في هذا السياق؛ تصبح إدارة المعركة الرقمية عملية سياسية وأمنية بقدر ما هي تقنية، هذا ما يفسر التركيز على المستخدم والبنية الأرضية لا على القمر الصناعي نفسه.
العملية لم تستهدف الأقمار الصناعية، بل ركزت على الأجهزة الأرضية المرتبطة بالشبكة، وهي الحلقة الأضعف في أي منظومة اتصال فضائي. هذه النقطة أكدتها تقارير غربية موثوقة، مثل رويترز والمونيتور، والتي أشارت بوضوح إلى أن ما جرى كان تعطيل للاستخدام داخل إيران؛ لا كسرًا للبنية الفضائية العالمية. هذا الفصل بين المستوى الفضائي والمستوى الأرضي ضروري لفهم طبيعة السيطرة الفعلية، إذ يوضح أن التفوق التكنولوجي الغربي يظل قائمًا عالميًا؛ لكنه يصبح محدود الفاعلية داخل نطاقات سيادية مغلقة.
وفقًا للمعلومات المتاحة؛ اعتمدت الأجهزة الإيرانية على رصد الترددات الصادرة عن المحطات الأرضية وربطها بمواقع المستخدمين، ثم تنفيذ عمليات أمنية منسقة أدت إلى مصادرة عدد كبير من الأجهزة وتعطيل استخدامها. هذا المسار يبرز حقيقة غالبًا ما يجري تجاهلها، وهي أن السيطرة الميدانية قد تكون أكثر حسمًا من أي اختراق تقني مباشر. في البيئات التي تمتلك فيها الدولة قدرة فعلية على ضبط الحركة والبنية المادية؛ يصبح المستخدم هو الحلقة الأضعف، لا القمر الصناعي ولا البروتوكولات المشفرة.
الادعاءات المتعلقة بهندسة عكسية كاملة لبروتوكولات التشفير أو اختراق البنية الجوهرية للشبكة ما تزال، حتى اللحظة، غير مثبتة علنًا.
شبكة ستارلينك التي تديرها شركة "سبيس أكس" تعتمد بنية تقنية متعددة الطبقات. ولا توجد أدلة موثوقة على كسرها تقنيًا. إلا أن ذلك لا ينتقص من فعالية المقاربة الإيرانية التي اعتمدت استغلال أنماط الاستخدام ونقاط الضعف التشغيلية، وربما زرع أدوات مراقبة على الأجهزة المصادرة لاحقًا. هذا الأسلوب على الرغم من بساطته الظاهرية يعكس فهمًا واقعيًا للصراع، ويجنب الانزلاق إلى ادعاءات تقنية غير قابلة للدفاع.
أهمية ما جرى لا تكمن في إسقاط التفوق الرقمي الأميركي، بل في نزع هالته ورفع كلفته. التفوق في الحروب لا يقاس بقدرة التكنولوجيا على العمل في أفضل الظروف، بل بقدرتها على الصمود والفاعلية في اسوأ البيئات السياسية والأمنية. حين تفشل أداة، مثل ستارلينك، في فرض وظيفتها داخل دولة تمتلك السيادة والقرار، تتآكل قيمتها بصفتها أداة هيمنة شاملة، حتى لو ظلت فعالة في بيئات أخرى.
في هذا السياق؛ يبرز البعد الأهم بالنسبة إلى الدول الداعمة للمقاومة، وهو أن كسر الهيمنة لا يمر بالضرورة عبر التفوق التكنولوجي، إنما في فهم نقاط الضعف البنيوية في منظومات الخصم وتوظيفها بذكاء. ما قامت به إيران يؤكد أن الحرب على الوعي والسيطرة على تدفق المعلومات لا تقل أهمية عن استهداف البنية التحتية نفسها، بل قد تكون أكثر حسمًا في بعض السياقات.
مستقبل المواجهة الرقمية، كما تكشفه هذه التجربة، يتجه نحو صراع بين القدرة على التكيف وذكاء الاستراتيجية لا بين عدد الأقمار أو قوة الإشارة فقط. الدول الغربية ستسعى لإعادة تصميم شبكاتها لتقليل الاعتماد على المكونات الأرضية القابلة للرصد، في حين ستعمل الدول الداعمة للمقاومة على تطوير نماذج سيطرة مرنة تدمج الأمني بالسيبراني والسياسي، ما يحصن الجبهة الداخلية ويرفع كلفة الاختراق الخارجي.
الخلاصة
إن ما جرى داخل ايران لا يعني تحييد ستارلينك بصفته نظامًا عالميًا، لكنه يثبت أن السيادة والقرار السياسي قادران على فرض حدود حقيقية على التفوق الرقمي الغربي. هذه ليست مسالة تقنية عابرة، هي درس استراتيجي طويل الأمد يؤكد أن الحروب الحديثة تحسم عند تقاطع الميدان والوعي والتكنولوجيا؛ لا في الفضاء وحده.