أوراق سياسية

بين التأجيل والتمديد.. هروب جماعي من الانتخابات النيابية

post-img

غسان ريفي (سفير الشمال)
    
يبدو أنّ التوافق السياسي حول التمديد التقني للانتخابات النيابية المقبلة لم يعد مجرّد تسريب أو طرح في الكواليس، بل بات خياراً جدّياً يحظى بقبول عريض لدى غالبية القوى السياسية. 

تمديد لشهرين أو ثلاثة يُسوَّق له على أنّه تقني وضروري، لكنّه في العمق قد يشكّل البوابة الأولى نحو تمديد أطول، قد يصل إلى سنة أو سنتين، تحت عناوين وظروف مختلفة.

التمديد التقني المطروح يرتكز على تعديل في القانون الانتخابي، وأبرز بنوده التخلي عن “الدائرة 16” المخصصة للمغتربين بستة مقاعد، وعن انتخاب ١٢٨ نائبا في دول الاغتراب، مقابل السماح للمغتربين الذين سبق أن سجّلوا أسماءهم في الخارج بالاقتراع داخل لبنان خلال عطلتهم المعهودة في فصل الصيف. 

هذا الطرح، وإن قُدّم كتسوية عملية إلا أنّه يعكس في جوهره رغبة سياسية واضحة بإعادة ضبط قواعد اللعبة الانتخابية بما يخدم موازين القوى القائمة.

لكن الأهم من التمديد التقني نفسه هو ما يُخشى أن يليه. فالمعطيات المتداولة تشير إلى أنّ إجراء الانتخابات في الموعد الجديد ليس أمراً محسومًا أيضا، بل إنّ خيار التمديد لسنة أو سنتين لا يزال مطروحاً بقوة. 

ويستند هذا الخيار إلى جملة أسباب، في مقدّمها القناعة داخليا وخارجيا بأنّ الثنائي الشيعي لا يزال قادراً، في أي انتخابات قريبة، على الحفاظ على كتلته الصلبة وتأمين نحو 27 نائباً من دون تسجيل أي خرق فعلي. 

من هنا، يرى خصوم الثنائي أنّ عامل الوقت، مقروناً بزيادة الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية على المقاومة وبيئتها، قد يساهم في تبديل مزاج الشارع الشيعي، ويفتح الباب أمام خرقٍ طال انتظاره.

في موازاة ذلك، تكتسب الانتخابات النيابية المقبلة بعداً يتجاوز تشكيل المجلس النيابي بحدّ ذاته، إذ يُعوَّل على هذا المجلس في انتخاب رئيس الجمهورية المقبل. وهنا تبرز حسابات القوى المسيحية، ولا سيما القوات اللبنانية، التي تعتبر أنّها قادرة، في حال تغيّرت موازين المجلس، على فرض نفسها لاعباً أساسياً وربما صاحبة الأكثرية، بما يتيح لها التأثير الحاسم في الاستحقاق الرئاسي.

ولا يمكن فصل هذه الحسابات عن المقاربة الدولية للوضع اللبناني، حيث ثمة قناعة لدى المجتمع الدولي بضرورة الإبقاء على الرئيس نبيه بري في موقعه على رأس مجلس النواب، انطلاقاً من اعتباره “صمام أمان” للنظام السياسي، والشخصية الأقدر على التواصل والتأثير في حزب الله وضبط إيقاع العلاقة بينه وبين الداخل والخارج. هذه القناعة تشكّل عاملاً إضافياً يدفع باتجاه التريّث في تغيير التوازنات النيابية بشكل جذري.

أما المفارقة الأبرز، فتتمثل في أنّ الرغبة بتأجيل الانتخابات لا تقتصر على القوى التقليدية، بل تمتدّ أيضاً إلى عدد غير قليل من نواب “التغيير”. فبعد تجربة نيابية وُصفت على نطاق واسع بالفاشلة أو المحدودة النتائج، بات كثيرون منهم على قناعة بصعوبة إعادة انتخابهم في ظل تبدّل الظروف السياسية والإعلامية والمالية التي ساهمت في إيصالهم إلى البرلمان عام 2022. وعليه، فإنّ التمديد، ولو كان مرفوضاً في الخطاب العلني، قد يشكّل لهم مخرجاً مريحاً من مواجهة صناديق الاقتراع.

في الخلاصة يمكن القول، إن التمديد التقني قد يكون بمثابة استراحة مؤقتة تمهيدا لمرحلة سياسية مقبلة عنوانها الأبرز: “الهروب الجماعي” من الانتخابات التي بات مؤكدا أن أحدا لا يريد خوضها في المدى المنظور!.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد