رشا أبو حيدر (أيقون نيوز)
لا يمكن قراءة السلوك الأميركي حيال إيران بوصفه سياسة متناقضة أو متردّدة، بل هو في جوهره إدارة محسوبة لصراع معقّد، تقوم على الجمع بين أدوات الضغط القصوى ومنع الانفجار الشامل في آن واحد. فواشنطن، وهي تلوّح بورقة الشارع الإيراني وتراهن على التظاهرات كوسيلة إنهاك للنظام، تدرك في الوقت نفسه أن إسقاط هذا النظام ليس مسألة رغبة سياسية بقدر ما هو معضلة إستراتيجية مفتوحة على سيناريوهات كارثية.
من جهة أولى، تعتمد الإدارة الأميركية سياسة ابتزاز سياسي واضحة: تشجيع غير مباشر للاحتجاجات، رسائل تحذير للنظام الإيراني من مغبة الإفراط في القمع، وتهديدات مبطنة بردود “عنيفة” إذا تجاوزت طهران خطوطًا معينة في التعامل مع الشارع. هذه المقاربة تهدف إلى إبقاء النظام في حالة استنزاف دائم، داخليًا وخارجيًا، دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة أو تبنّي مشروع إسقاط صريح.
ومن جهة ثانية، تسير بالتوازي عملية تحضير ذهني وسياسي لمرحلة “ما بعد النظام”، حيث تُسرّب أسماء شخصيات معارضة أو محسوبة على التيار الإصلاحي أو المنفي، ويُطرح خطاب عن “إيران جديدة” محتملة. إلا أن هذا المسار، على رغم حضوره الإعلامي، يفتقد حتّى اللحظة إلى عنصر الحسم: البديل القادر على الإمساك بالدولة، لا إسقاط رأس النظام فحسب.
في المقابل، تمارس واشنطن ضغطًا من نوع مختلف، أكثر واقعية وأقل استعراضًا، لدفع طهران إلى طاولة المفاوضات، ولا سيما في ما يتعلق بالملف النووي والحد من تدخلاتها الإقليمية. وهنا يتبدّى جوهر السياسة الأميركية: ليس إسقاط النظام هدفًا بحد ذاته، بل تعديل سلوكه، وتحجيم قدرته على تهديد التوازنات الإقليمية، وضبط طموحاته النووية ضمن سقف يمكن التحكم به.
تدرك الولايات المتحدة، بخبرتها المتراكمة في إسقاط الأنظمة، أن إيران ليست نموذجًا قابلًا للاستنساخ من تجارب أخرى. فالنظام الإيراني، على رغم أزماته العميقة، يمتلك بنية أمنية - عقائدية متماسكة، وشبكة نفوذ داخل المجتمع والدولة، وقدرة على تعبئة قاعدته في لحظات الخطر. والأهم من ذلك، أن سقوطه المفاجئ لا يعني بالضرورة ولادة نظام بديل مستقر، بل قد يفتح الباب أمام فوضى متعددة المستويات: قومية، مذهبية، جغرافية، وأمنية.
هذه الفوضى المحتملة لا تقلق واشنطن فقط من زاوية إيران، بل من زاوية "إسرائيل" تحديدًا. فغياب سلطة مركزية في إيران، أو تفكك القرار الإستراتيجي، قد يؤدي إلى أنفلات أذرع عسكرية وعقائدية خارج السيطرة، ويحوّل المواجهة من صراع يمكن ضبطه إلى تهديد وجودي غير محسوب النتائج. من هنا، يصبح بقاء “نظام ضعيف يمكن ردعه” أقل كلفة من بديل فوضوي لا يمكن التنبؤ بسلوكه.
على هذا الأساس، تلعب واشنطن لعبة حافة الهاوية: تضغط من دون أن تدفع، تهدّد من دون أن تحسم، وتلوّح بإسقاط النظام من دون أن تضع ثقلها الكامل خلف هذا الخيار. إنها سياسة إدارة الخطر لا إزالته، وإبقاء إيران في منطقة رمادية بين الانهيار والاحتواء.
النتيجة الأولى التي يمكن استخلاصها أن الرهان الأميركي ليس على الشارع الإيراني كأداة تغيير نهائي، بل كوسيلة ضغط تفاوضي. أما النتيجة الثانية، فهي أن أي حديث عن مرحلة ما بعد النظام يبقى، حتّى إشعار آخر، جزءًا من الحرب النفسية أكثر منه مشروعًا سياسيًا متكاملًا. أما النتيجة الثالثة والأخطر، فهي أن استقرار المنطقة - بما فيها "إسرائيل" - بات مرتبطًا paradoxically باستمرار توازن هش داخل إيران، لا بانفجاره.
في المحصلة، لا تريد واشنطن إيران قوية ولا إيران منهارة. تريدها دولة محاصَرة، مضغوطة، وقابلة للتفاوض. وبين الابتزاز والمفاوضات، تستمر لعبة الأمم، في ما تبقى المنطقة بأكملها رهينة قرار لم يُتخذ بعد: هل تُضبط إيران… أم يُفتح الباب على المجهول؟