غسان ريفي (سفير الشمال)
منذ اللحظة الأولى لإعلان اتفاق وقف إطلاق النار، تعاملت "إسرائيل" معه كحبر على ورق، وليس كالتزام سياسي أو عسكري أو قانوني، ففي كلّ غارة جوية، وكلّ خرق ميداني، وكلّ عملية اغتيال، كانت تل أبيب تبعث برسالة واضحة إلى لبنان مفادها أنها لا تقيم وزنا لهذا الاتفاق، ولا تعترف بلجنة “الميكانيزم” المنبثقة عنه، وأن مشاركتها في اجتماعاتها هي أشبه بـ”رفع العتب”.
في المقابل، بدا الطرف اللبناني الرسمي، وكأنه يتعاطى مع الوقائع بقدرٍ لافت من الخفة السياسية، رافضًا تصديق ما بات حقيقة دامغة، أن "إسرائيل" مزّقت اتفاق وقف إطلاق النار عبر ممارساتها الوحشية، وعطّلت عمليًا لجنة الميكانيزم التي تحوّلت على مدى أكثر من أربعة عشر شهرًا، إلى مجرد شاهد زور، فلم تستطع وقف اعتداء واحد، ولا إرغام "إسرائيل" على انتظار تقارير الجيش اللبناني إلى حين كشفه على المنشآت المهدّدة، ولا ثنيها عن تنفيذ غارة أو عملية اغتيال، ما جعل وجودها واجتماعاتها “لزوم ما لا يلزم”.
لم تكتفِ "إسرائيل" بتجاوز اللجنة وقراراتها، بل عملت على إسقاطها بـ”الضربة القاضية” عبر الاستعانة بالمبعوث الأميركي توم برّاك، الذي قدّم ورقة إلى حكومة الرئيس نواف سلام تقضي عمليًا بإلغاء اتفاق وقف إطلاق النار ولجنة الميكانيزم معًا، والتأسيس لاتفاق جديد بشروط مختلفة، والأخطر أن الحكومة اللبنانية رضخت آنذاك لهذه الورقة وأقرتها في جلسة السابع من آب الفائت، قبل أن تأتي جلسة الخامس من أيلول وتعيد تصويب الأمور جزئيًا وتدارك بعض الانزلاق السياسي.
يبدو واضحًا أن "إسرائيل" لم تعد اليوم في موقع الإيحاء أو التلميح. فقد كشفت عن مخطّطها بإعلانها صراحة تجميد عمل لجنة الميكانيزم، في خطوة لا يمكن فصلها عن مسار سياسي وأمني طويل. فالتصريح ال"إسرائيلي"، وإن حاول تسويقه كإجراء تقني، يحمل في جوهره محاولة لاستبدال اللجنة الحالية بصيغة جديدة، عبارة عن لجنة ثلاثية: أميركية - "إسرائيلية" - لبنانية، مستقلة عن الأمم المتحدة، وخالية من أي تأثير فرنسي، تُستخدم مدخلًا لفرض مسار تطبيعي، وتمهد لاتفاقات سياسية واقتصادية تتجاوز الثوابت الوطنية اللبنانية.
وبالتوازي مع هذا الإعلان، باشرت "إسرائيل" تصعيدًا ميدانيًا خطيرًا، فوسّعت دائرة اعتداءاتها جنوب الليطاني وشماله، في محاولة واضحة لرفع منسوب الضغط على لبنان ودفعه إلى تقديم المزيد من التنازلات، وإخضاعه لإملاءات جديدة تحت عنوان “الاستقرار”، في ما الواقع يشير إلى ابتزاز أمني مباشر.
في المقابل، تقف السلطة اللبنانية عاجزة عن ردع هذا العدوان، مكتفية بسلسلة مواقف وتصريحات وبيانات دبلوماسية ومصطلحات فضفاضة لا تغني ولا تسمن من أمن أو استقرار، ولا تفتح بابًا جديًا للإعمار أو التحرير، فبينما تُفرض الوقائع بالنار، لا تزال السلطة تراهن على آليات ثبت عجزها بالكامل.
لا شك في أن تجميد عمل لجنة الميكانيزم هو إعلان سياسي صريح بانتهاء مرحلة وبداية أخرى أكثر خطورة، مرحلة عنوانها استخدام الضغط العسكري مدخلًا لتغيير قواعد الاشتباك السياسي، وصولًا إلى إعادة صياغة العلاقة مع لبنان وفق الشروط "الإسرائيلية" - الأميركية.
هذا المشهد يطرح سؤالًا جوهريا لجهة: هل يستمر لبنان في سياسة الإنكار والرهان على آليات فقدت معناها؟، أم يذهب إلى مقاربة وطنية أكثر جدية وصلابة، تعترف بحقيقة ما يجري وتبني موقفًا سياديًا يحمي الأمن والاستقرار ويمنع تحويل البلاد إلى ساحة ابتزاز مفتوحة؟!..