فادي الحاج حسن/كاتب لبناني
ليست أزمة الدولة في امتلاكها للقوة، إنما في طبيعة العقل الذي يدير هذه القوة. حين تنفصل السياسة عن وظيفتها المدنية، وتتحول من فن إدارة الاختلاف إلى أداة للضبط والسيطرة، نكون أمام أخطر أنواع الانحراف: انحراف العقل السياسي ذاته.
ما نشهده اليوم في العديد من الدول، ومنها لبنان، ليس عسكرة تقليدية للدولة، بل ما يمكن وصفه بـ عسكرة العقل السياسي: أي انتقال منطق التفكير الأمني القائم على الحسم والطاعة والضبط إلى مجال السياسة الذي يفترض أن يقوم على التفاوض والتعدد والشرعية الشعبية. هنا لا يصبح العسكر هو المشكلة، تصبح النخب السياسية التي تتبنى هذا المنطق هي جوهر الأزمة.
من سياسة الخدمة إلى سياسة الغلبة
السياسة، في معناها العميق، ليست إدارة للقوة، هي إدارة للمصلحة العامة. السياسي لا يُفترض أن يكون قائدًا ميدانيًا، بل هو ممثل اجتماعي وأخلاقي لإرادة المواطنين. غير أن الانحراف يبدأ حين تتحول السياسة إلى ساحة صراع دائم، وحين يصبح الهم الأساسي للسلطة هو الحفاظ على النفوذ لا خدمة المجتمع.
في هذه اللحظة تحديدًا، تتغير وظيفة الدولة من حماية المجال العام إلى السيطرة عليه، وتتحول المؤسسات من أدوات تنظيمية إلى واجهات شكلية تُستخدم لتسويغ قرارات تُتخذ خارجها. تصبح الدولة جهاز ضبط لا إطار شراكة. ويصبح المواطن ملفًا إداريًا أو رقمًا أمنيًا لا شريكًا سياسيًا. هذا التحول لا يحتاج إلى انقلاب عسكري كي يحدث. يكفي أن تتبنى النخب الحاكمة خطاب القوة ومنطق التعبئة وثقافة التخويف، حتى تصبح السياسة نفسها ممارسة سلطوية مغلفة بلغة وطنية.
عسكرة العقل.. حين يُختزل المجتمع إلى خطر محتمل
أحد أخطر أعراض عسكرة العقل السياسي هو أمننة كل شيء. حين تُعامل المطالب الاجتماعية كونها تهديدًا للاستقرار، ويُقرأ النقد على أنه عداء، وتُفسَّر المعارضة خيانة، نكون أمام عقل سياسي لم يعد يرى في المجتمع شريكًا، بل خصمًا محتملًا. في هذا السياق، تفقد السياسة مرونتها. يصبح القرار جامدًا ومغلقًا، غير قابل للمراجعة. يُبنى على هواجس لا على معطيات. وتُتخذ الخيارات الكبرى بمنطق المعركة لا بمنطق العقد الاجتماعي. هكذا تتحول الدولة إلى إدارة دائمة للأزمات، لا إلى مشروع لحلها. الخطير أن هذا النمط من التفكير غالبًا ما يترافق وخطاب أخلاقي شعبوي: الحديث عن المؤامرة الدائمة والخطر الوجودي وضرورة التضحية المستمرة. وهي مفردات تُستخدم لتسويغ الفشل البنيوي، لا لحماية المجتمع.
لبنان نموذج لأزمة نخب لا أزمة مؤسسات فقط
في الوضع اللبناني، كثيرًا ما يُختزل النقاش في ثنائية الدولة مقابل قوى الأمر الواقع، أو المدني مقابل العسكري. لكن هذا التبسيط يُخفي جوهر المشكلة. لبنان لا يعاني فقط ضعف الدولة، بل من تشوه عميق في الثقافة السياسية للنخب الحاكمة.
الأزمات تُدار بمنطق التفاوض بين القوى لا بمنطق المصلحة العامة. القرارات تُطبخ خارج المؤسسات لا داخلها. المواطن يُستدعى في الخطاب لا في الفعل. وتُستخدم اللغة الوطنية لتغطية ممارسات تقوم على المحاصصة والزبائنية والاحتكار الرمزي للشرعية. في هذا السياق؛ تتجلى عسكرة العقل لا بوصفها سيطرة مباشرة للمؤسسة العسكرية، بل بوصفها تبنيًا لمنطق السيطرة والقوة في العمل السياسي نفسه. تصبح السياسة أقرب إلى إدارة توازنات قسرية، لا إلى بناء توافقات اجتماعية. وتتحول الدولة إلى ساحة تنازع لا إلى إطار جامع.
كيف نواجه عسكرة العقل السياسي؟
المواجهة، هنا، لا تكون بالضرورة أمنية، هي قبل كل شيء معركة وعي وبناء ثقافة سياسية بديلة. ويمكن تحديد مسارات المواجهة في أربعة مستويات مترابطة:
أولًا- استعادة المفهوم المدني للسياسة
يجب إعادة تعريف السياسة في الوعي العام بوصفها خدمة عامة لا أداة نفوذ. هذا يتطلب خطابًا ثقافيًا وإعلاميًا يفضح الخلط بين القوة والشرعية، ويعيد الفقيمة لمفاهيم مثل المساءلة، التمثيل، الشفافية، والحق في الاختلاف. حين يدرك المجتمع أن السياسي موظف عام لا زعيم، وأن السلطة تكليف لا امتياز، تبدأ شرعية القوة بالتآكل تدريجيًا.
ثانيًا- بناء مقاومة مدنية واعية
المقاومة هنا لا تعني الصدام، إنما تعني رفض التطبيع مع الانحراف. مقاومة الفساد، مقاومة تزييف الوعي، مقاومة خطاب التخويف، مقاومة تحويل المواطن إلى تابع. والمجتمع القادر على طرح الأسئلة، على التنظيم المدني، على الدفاع عن المجال العام، هو أخطر على السلطة المنحرفة من أي خصم آخر. القوة يمكن احتواؤها، لكن الوعي يصعب تطويقه.
ثالثًا- استعادة المجال العام من الاحتكار
عسكرة العقل السياسي تزدهر حين يُغلق المجال العام وتُحتكر المنابر. لذلك فإن فتح الفضاء العام أمام النقاش الحر، الإعلام المستقل، المبادرات المدنية، والجامعات الحرة، هو شرط أساسي لكسر منطق السيطرة. إذ إن المجال العام ليس ترفًا ديمقراطيًا، هو خط الدفاع الأول عن مدنية الدولة.
رابعًا- تفكيك خطاب القوة من الداخل
جزء من المواجهة يجب أن يكون فكريًا؛ أي تفكيك اللغة التي تستخدمها السلطة لتسويغ ممارساتها: خطاب الاستقرار، خطاب الضرورة، خطاب الخطر الدائم. هذه اللغة ليست بريئة، بل تُستخدم لإعادة إنتاج الخضوع. حين يُفكك هذا الخطاب أمام الرأي العام، تفقد السلطة أحد أهم أدواتها: السيطرة على المعنى.
من دولة القوة إلى دولة المعنى
الدولة لا تُبنى فقط بالسلاح ولا تُهدم فقط بالسلاح. الدول تنهار حين يفقد الناس إيمانهم بشرعيتها، وتنهض حين يشعر المواطن أنها تعبر عنه. جوهر الأزمة اليوم ليس في توازنات القوة فقط، إنما في أزمة معنى الدولة ذاتها.
- هل الدولة جهاز فوق المجتمع أم تعبير عنه؟
- هل السياسة صراع دائم أم إدارة للاختلاف؟
- هل المواطن تابع أم شريك؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ليست نظرية، هي أساس أي مشروع للخروج من المأزق.
المعركة الحقيقية هي على طبيعة العقل السياسي
عسكرة العقل السياسي ليست قدرًا؛ إنها نتيجة ثقافة سياسية يمكن تغييرها. لكن التغيير لا يبدأ من القمة، إنما من المجتمع نفسه: من الجامعة، من الإعلام، من النقاش العام، من الوعي الفردي والجماعي.
حين يستعيد المجتمع ثقته بذاته بصفته فاعلًا سياسيًا، وحين يرفض أن يُدار بالخوف، وحين يُصرّ على أن تكون السياسة مساحة للعقل لا للقوة، عندها فقط تبدأ الدولة باستعادة وظيفتها. إذ إن المعركة اليوم ليست بين مدني وعسكري، هي بين عقل يرى في المواطن شريكًا، وعقل لا يرى فيه إلا موضوعًا للضبط. والانتصار في هذه المعركة يبدأ من الكلمة، من الفكرة، من الوعي… لا من القوة والقمع الاضطهاد.