يحيى دبوق (الأخبار)
تباشر إيران والولايات المتحدة، اليوم، مسارًا تفاوضيًا هشًّا، بعد تعثّر ملحوظ في بداياته، في ما لا يزال جدول أعماله غامضًا وغير متّفَق عليه. ويتأرجح هذا المسار، الذي يجمع الطرفين بشكل غير مباشر في مسقط، بين احتمالات متعارضة، ويصعب تقدير نتيجته من الآن؛ إذ يظلّ عرضة للانهيار تحت وطأة فجوة يصعب جسرها.
مع ذلك، فالطرفان معنيان بالعملية الدبلوماسية، كلّ وفق حساباته الخاصة. إذ إن التفاوض لم يكن خيارًا مفضّلًا بذاته، بل بدا المخرج الوحيد المتاح، بعد أن بلغ الخطاب التصعيدي حدًّا حرجًا: من جهة أميركا المبادِرة إلى التصعيد والتهديد، وأيضًا من جهة إيران المعنيّة بدفع الخطر عنها. وهكذا، كان على الولايات المتحدة إمّا تنفيذ التهديد بعمل عسكري، ولو محدود، ما من شأنه التسبّب بحرب شاملة لا يريدها الطرفان، وإمّا البحث عن متنفّس دبلوماسي يجنّبهما المواجهة؛ وهو ما اختارته في نهاية المطاف ووافقتها عليه إيران.
على أن طهران تدخل المفاوضات وهي ترى أن وظيفتها الأساسية إبعاد التهويل المستمر بالخيارات العسكرية، مع الحصول على حلحلة معتدّ بها لناحية رفع العقوبات عنها، لكن من دون انزلاق النقاش إلى ملفات تراها خارج نطاق المساومة، من مثل البرامج الصاروخية، والنفوذ الإقليمي، ودعم حركات المقاومة. إذ لا تعدّ هذه الملفات من المسائل القابلة للتفاوض، والتنازل عنها يعني المساس بأساس شرعية النظام داخليًا وخارجيًا، وليس مجرّد تعديل في سلوكه. أما واشنطن، فترى في التفاوض أداة لتحويل الضغط العسكري إلى تغيير سلوكي دائم لدى إيران، وليس مجرّد تجميد مؤقت للبرنامج النووي. ومن هنا، رفعت الولايات المتحدة ابتداءً سقف المطالب لتشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي لإيران، ما من شأنه أن يعقّد المسار التفاوضي قبل أن يبدأ فعليًا.
وينبع إدخال هذه الملفات الإضافية في جوهره، من التحريض ال"إسرائيلي"، وليس من تشخيص واشنطن لمصلحة أميركية جوهرية، كما هي الحال مع الملف النووي. وهنا تظهر الفجوة في التقديرات: فبينما ترى تل أبيب في مسألة الصواريخ وعلاقات إيران مع حركات المقاومة، خطوطًا حمرًا تصل إلى حدّ وصفها إياها بالتهديد الوجودي، تتعامل معها واشنطن كمصالح تتحرّك بين التكتيكية والإستراتيجية، وهي قابلة من جهتها للتفاوض والمساومة ضمن حدود مرنة.
لكن في حال أصرّت الولايات المتحدة على توسيع جدول الأعمال، ستجد إيران نفسها أمام معضلة وجودية: إمّا القبول بمناقشة ملفات تهدّد شرعيتها الداخلية والخارجية، وبالنتيجة مبرّر وجود النظام الإسلامي نفسه، وإمّا رفضها والمخاطرة بانهيار العملية برمّتها. وفي هذه الحال، سيكون ثمن انهيار التفاوض أقلّ من الخضوع للشروط الأميركية. أمّا المعضلة المقابلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فهي ليست أقلّ حدّة؛ وعنوانها إما التمسّك بمطالب "إسرائيل" والمخاطرة بتعطيل التفاوض، وإمّا التراجع والتركيز على "النووي" فقط، وهو ما قد يفسَّر داخليًا وإقليميًا، ضعفًا وليس مرونة تكتيكية.
هنا، يرتكز رهان طهران على أن واشنطن ستفضّل في اللحظة الحاسمة إنجازًا نوويًا مرحليًا، على فشل كامل في التفاوض، خاصة إذا قدّمت إيران تنازلات ملموسة في هذا الملف. فإذا تمّ التوصّل إلى تسوية نووية بحتة، يمكن للولايات المتحدة تسويق الاتفاق بوصفه إنجازًا يفوق ما حقّقته الإدارات السابقة مع إيران، مع إبقاء الملفات الأخرى مفتوحة لجولات تفاوض لاحقة، أي تجميد الأزمة لا حسمها. وعلى أيّ حال، فالفرضيات حول ما يمكن تحقيقه في المفاوضات، وكيفية إيجاد مخارج من السقوف العالية، تبقى محاطة بالضبابية؛ وهذا ما يستدعي متابعة متأنّية للمؤشرات العملية.
وفي هذا السياق، تفيد مؤشرات اليومين الماضيين، وتحديدًا تعثّر المسار التفاوضي ثمّ استئنافه، برغبة أميركية فعلية في تجاوز العقبات. إذ قبلت واشنطن طلب طهران نقل مكان المفاوضات من إسطنبول إلى مسقط، كما حصر المشاركة بالطرفين من دون توسيعها إلى كرنفال إقليمي يضمّ وزراء خارجية من دول متعدّدة. وتنازلت الولايات المتحدة، أيضًا، مؤقتًا عن إدراج ملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي في الجولة الأولى، والاكتفاء بالملف النووي. ويشكّل هذا التراجع الأميركي، مؤشرًا قويًا على أن واشنطن تضع أولوية تجنّب الحرب فوق أولوية فرض مطالبها كافة، وإن كان الحسم بذلك مبكرًا جدًا. إذ يُنظر إلى المرونة الأميركية ليس بوصفها تنازلًا تكتيكيًا عابرًا، بل كدلالة على أن الإدارة ترى في استمرار المسار التفاوضي وسيلة لتأجيل استحقاق تنفيذ التهديدات العسكرية، التي ثبت لديها أن تنفيذها، ولو بصورة محدودة، سيكون مضرًّا بالمصالح الأميركية، بما يتجاوز الإقليم، وينطوي على مخاطر قد تفوق كلفة القبول باتفاق مرحلي ناقص؛ وهذا بالضبط ما تراهن عليه طهران.
بالنتيجة، لا تلغي المفاوضات التي بدأت للتوّ، العداء التاريخي بين الجانبين، كما لا تبدّد أجنداتهما المتعارضة، بل سيبقى كلّ طرف يتربّص الفرص للعودة إلى التصعيد، متى ما رأى أن المصلحة تقتضي ذلك، وتحديدًا الجانب الأميركي. وفي حين تحتفظ إيران بخياراتها الصاروخية والإقليمية كأوراق ضغط مستقبلية، تُبقي الولايات المتحدة على تحشيدها العسكري كرافعة ضغط دائمة حتّى مع استمرار الحوار، وكجزء رئيس من لوازم التصعيد في حال تجدّده لاحقًا.