أديب نعمة (صحيفة المدن)
نبدأ من البداية. طرابلس ليست أفقر مدينة على شاطئ المتوسط؛ ذلك أن أحداً لم يدرس الفقر في كل المدن المطلة عليه، ليقارن بينها، فيكتشف أن طرابلس أفقرها. وطرابلس ليس فيها أغنى أغنياء لبنان؛ صحيح أن الاخوين ميقاتي هما الأغنى لبنانياً حسب قائمة فوربس، إلا أن من يأتي بعدهم من الأسماء المنشورة ليسوا من طرابلس (روبير معوض، والأخوة بهاء وأيمن وفهد الحريري...). لقد بات هذا الكلام مستهلكًا، وضرره أكثر من فائدته، لأنه يضيّع البوصلة ويحرف الانتباه عن الأساسيات لصالح كلام شعبوي، لا يصلح إلا لتبرير المظلومية أو التذمر أو التسول.
هل يعني ذلك أن طرابلس ليست مدينة فقيرة، بمعنى أن نسبة السكان الفقراء فيها مرتفعة؟ أبداً؛ فنسبة الفقر في مدينة طرابلس هي الأعلى بين مدن لبنان الكبيرة، ونسبة الفقر الأعلى في لبنان، وعدد الفقراء الأعلى في لبنان هو في منطقة عكار الريفية والكثيفة السكان في آن. الكلام عن طرابلس كأفقر مدينة في المتوسط مصدره دراسة ميدانية نفذت في العام 2012، وكنت شخصياً مسؤولاً عنها تصميماً وتنفيذاً في إطار مشروع إقليمي. واستخدمنا فيها دليلاً قياسياً متعدد الأبعاد (دليل الحرمان الحضري). وكانت النتيجة أن نسبة الحرمان/الفقر في طرابلس هي 57% في حينه، من أصلهم 26% هم فقراء/محرومون جداً (الدراسة متاحة على موقع الاسكوا). ولا شك أن النسبة بعد الانهيار عام 2019، تزيد عن 80-85%. وكان القول إنها أفقر مدينة في المتوسط، وسيلة استخدمها رئيس البلدية آنذاك من أجل تشجيع المانحين على تخصيص أموال لتنمية المدينة.
دراسة وخطة تنمية
أعلنت نتائج هذه الدراسة مطلع عام 2015 بحضور الوزراء وفعاليات المدينة، وكانت هناك حينها فرصة مناسبة جداً لإطلاق مشروع شامل لتنمية المدينة. فقد انتهت الجولات الـ21 من المواجهات بين جبل محسن وباب التبانة، التي تلت غزوة حزب الله لبيروت عام 2008 (لم تكن أسباب هذه المواجهات محلية كما هو جليّ)، وبدأ تنفيذ الخطة الأمنية بنجاح مقارنة بالتجارب السابقة. بناء عليه، كان بالإمكان البدء بالعمل من أجل معالجة المشكلات المزمنة، التي أنهكت المدينة منذ مطلع الثمانينات. وكان قد سبق ذلك أو رافقه إعداد بلدية طرابلس في حينه لاستراتيجية تنمية، وكذلك عقد النواب مؤتمراً للتنمية، وكان هناك دعم من مؤسسات دولية لهذه الأنشطة. كما كانت هناك مساهمة لوزارة الشؤون الاجتماعية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاسكوا، في اقتراح خطة تنمية شاملة للمدينة، تبني على ما سبق وتطوره باتجاه تدخل تنموي متكامل ومنهجي (نص المقترح الكامل وآليات التنفيذ والموازنة الأولية تم توزيعه على عدد كبير جداً من المسؤولين في طرابلس والناشطين في مناسبات متعددة). لكن المسؤولين المعنيين، محليين ووطنيين ودوليين، لم يتعاملوا مع هذه الفرصة وهذا المشروع بجدية، فبقي -كما غيره- حبراً على ورق.
تدهور الوضع في المدينة بعد 2019 إسوة بكل المناطق اللبنانية الأخرى. إلا أن طرابلس وعكار والشمال عموماً، عانت من مشكلات إضافية لا مجال لعرضها هنا بالتفصيل. وتتمثل الفكرة الأساسية التي نلفت النظر إليها، في أن أي خطة تنمية لمدينة كبيرة لا يمكن أن تنجح إلا إذا كانت شاملة؛ وإلا إذا تضافرت جهود الدولة المركزية مع الجهود المحلية من بلدية وفعاليات مجتمع مدني وقطاع خاص؛ وإلا إذا توفرت إدارة قيادية قوية واحتضان سياسي وشعبي لها. وهو أمر لم يتوفر أبداً: يكفي أن نقول إن طرابلس كانت بين 2015 و2025 في عهدة المحافظ رمزي نهرا، الذي يكره المدينة وأهلها، والذي أقيل من منصبه متأخراً جداً.
نافذة لتحفيز النمو الاقتصادي في لبنان
بعيداً عن الشكوى والتذمر، فإن التمعن في الإمكانيات الكامنة في المدينة يكشف عن فرص راهنة ومستقبلية كبيرة يمكن لطرابلس (والشمال) أن توفرها لفتح آفاق جديدة للنمو الاقتصادي على المستوى الوطني، في وقت لم يتفتق خيال المسؤولين في حينه (واليوم أيضاً) إلا عن فكرة "عبقرية" وحيدة، هي تشريع زراعة الحشيشة واستخدامها لأغراض التصدير لتصنيع المنتجات الطبية. مع ذلك فإن ما جاء في الخطط التنموية المقترحة آنذاك -ولا تزال صالحة اليوم- هو أن الشمال وطرابلس يملكان مقومات لنهوض صناعي وزراعي وخدماتي، يمكن أن يشكل مخرجاً لأزمة الاقتصاد اللبناني، الذي تشبع قطاعياً وجغرافياً، واختنق بسبب ارتفاع أكلاف الإنتاج. ففي طرابلس والشمال كانت تتوفر فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي بأكلاف أقل للمدخلات العقارية، والقوى العاملة، والكفاءات العلمية، والبنى التحتية الأساسية...الخ؛ إلا أن ذلك لم يكن على جدول أعمال الحكومة أو المسؤولين المحليين.
من الإغاثة إلى التنمية
نعود إلى الكارثة المؤلمة الأخيرة. قرارات الحكومة في هذا الصدد تتعلق فقط بالجانب الإنساني والطارئ. وهو أمر ضروري جداً من دون شك، وإن أتى متأخراً عشر سنوات؛ وهو معالجة فورية وطارئة ضرورية. لكن هل يعني ذلك أن نرتاح ونؤجل المعالجات التنموية الأخرى؟
إن الاكتفاء بالتدخل الإغاثي الطارئ من قبل الحكومة هو بمثابة خطأ فادح، وتكرار لممارسات سابقة لا أكثر. قد يكون هناك اختلاف في فعالية التدخل الطارئ، وفي سرعة التنفيذ، وفي تلافي الهدر والفساد أو الحد منهما؛ إلا أن ذلك لا يشكل خروجاً جوهرياً عن السياسات السابقة. لذلك نرى لزاماً على الحكومة الحالية أن تلتقط هذه المناسبة، لكي تنفذ التدخل الطارئ على أكمل وجه، ولكي تطلق برنامجاً تنموياً شاملاً لمدينة طرابلس، وتوسعه شمالاً بعد وقت قليل حتى الحدود بين عكار وسوريا. فالتدخل الإغاثي والمساعدات الإنسانية لم يكونا يوماً كافيين، ولا كانا استراتيجية فعالة لمعالجة الأزمات الكبيرة وأسبابها. ولأن المخاطب هنا هو الحكومة الحالية، فإن بين الوزراء عدد غير قليل ممن عملوا ويعملون مع الأمم المتحدة والبنك الدولي والمؤسسات الدولية، وهم يعلمون تماماً معنى الربط بين التدخل الإنساني الطارئ وبين التدخل التنموي، لا بل أنهم يدعون إلى هذا الربط، لاسيما عندما ينطقون في محاضراتهم وندواتهم باللغة الإنكليزية. وقد آن الأوان لترجمة هذه الأقوال من الإنكليزية إلى سياسات وطنية وتنفيذها. وهذه مسؤوليتهم.
ملف طارئ اخر: الموقوفون
ثمة ملف متفجر آخر في طرابلس مرشح للانفجار في أي لحظة، هو ملف الموقوفين من أبناء المدينة من دون محاكمات منذ عشر سنوات أو أكثر أحياناً، على خلفية الاشتباكات المتكررة بين جبل محسن وباب التبانة. هذا الملف هو محل استثمار سياسي محلي ووطني، وموضع مماطلة وتسويف غير مقبولين. هؤلاء في السجال السياسي والإعلامي يسمون الموقوفين "الإسلاميين"، وهذه الصفة مقصودة لأن ذلك يسهل الإيحاء بتهم تتصل بالتطرف والإرهاب وما إلى ذلك. كما أن ذلك يوحي ضمناً بأنهم من الطائفة السنية، مما يسهل إدخالهم في صفقة العفو العام كموضوع للمقايضة مع موقوفين أو محكومين من طوائف أخرى. بئس هذه المقاربة. على الحكومة الحالية أن تسارع إلى إعادة الأمور إلى نصابها في هذا المجال، لأن هناك من سيعمل أيضاً على تفجير هذا الملف في وجهها، لاسيما أن موسم الانتخابات قد بدأ. ثم أنها تمثل انتهاكاً خطيراً لحقوق الانسان والمواطن، لا بد من وضع حد نهائي له. فالكل يعلم أن من كانوا يسمّون قادة المحاور قد حوكموا وصدرت بحقهم أحكام مخففة، وبعضهم خرج من السجن بعراضات مدعوماً من نواب ووزراء! في حين أن الشبان الذين استخدمهم هؤلاء وقوداً للاشتباكات ما زالوا موقوفين.
هل هناك حل سريع؟ نعم. يمكن لهيئة قضائية ذات اختصاص، أن تصنف التهم الموجهة إلى هؤلاء، ومعظمها لا يتطلب في حال ثبوته عقوبة تزيد عن عشر سنوات. فلماذا لا يكون هناك اجتهاد قضائي نهائي في هذا الصدد، ويطلق سراح من ينطبق عليه هذا المعيار فوراً، ولتستمر إجراءات المحاكمات، فإما تثبت عليه التهم ويكونوا قد قضوا العقوبة، أو تثبت براءتهم وربما حينها يجب على الحكومة أن تعوض عليهم سنوات الظلم. الحكومة قادرة على القيام بذلك خلال أسابيع، ويجب عليها أن تقوم بذلك من باب التزامها بحقوق الإنسان، وقطعاً للطريق على استمرار الاستغلال السياسي والشعبوي لهذه الملف في طرابلس. ومرة أخرى، أنبّه إلى أن هذا الملف مرشح للانفجار في أي لحظة، سواء كان ذلك عفوياً أو كان مقصوداً لأغراض سياسية. ويجب أن يكون حل ملف الموقوفين خطوة متممة لإجراءات الاخلاء والتعويض على ساكني الأبنية الآيلة للسقوط.
البلدية وفعاليات المدينة
أما بالنسبة إلى المجلس البلدي، والهيئات الاقتصادية في طرابلس، وإلى نقابات المهن الحرة، التي استعادت الأحزاب والتيارات سيطرتها عليها، وحولتها إلى ظلال بلا وزن لهذه التيارات، فعليهم أيضاً مسؤولية تجاه مدينتهم وسكانها. طرابلس مدينة فاقدة للمرجعية السياسية والمدنية في آن. في مثل هذا الوضع فإن البلدية (وأقصد اتحاد البلديات طرابلس والميناء والبداوي على الأقل لأنها مدينة واحدة) يجب أن تلعب ثلاثة أدوار متلازمة: الأول، أنها سلطة مسؤولة عن إيجاد حلول لمشاكل المدينة وسكانها؛ والوظيفة الثانية هي أن تكون الرقيب المحلي النزيه والشفاف والفعال على تنفيذ المشاريع المخصصة للمدينة من الحكومة المركزية وفروع الإدارة؛ والوظيفة الثالثة هي أن تكون الصوت المرتفع لسكان المدنية في الحوار والضغط على السلطة المركزية، وأن تتولى تنظيم الضغط المحلي إلى جانب الفعاليات المدنية من أجل إيجاد حلول حقيقية للأزمة. وهذا هو دورها الأساسي في المدى القصير والمباشر. ونقطة البداية هي أن لا تقبل البلدية وفعاليات المدينة بأن يقتصر الأمر اليوم على التدخل الاغاثي والمساعدات التي أقرتها الحكومة، بل أن تضغط من أجل إطلاق برنامج تنموي شامل للمدينة. وحذار من أن يتحول ذلك إلى المطالبة الآن بمجالس إنماء تعين بالمحاصصة السياسية، وتكون مصدراً إضافياً للفساد والهدر.
أخيراً
التقيت وزيرة الشؤون الاجتماعية السيدة حنين السيد في قطر، أثناء انعقاد القمة العالمية للتنمية الاجتماعية، حيث كانت تلقي مداخلة في جلسة مخصصة لعمل الوزارة في لبنان. وعليّ أن أشير أولاً إلى أنه حصل تقدم محسوس في عمل الوزارة، في عهد الحكومة الحالية، لاسيما لجهة إقرار تحويلها إلى وزارة للتنمية الاجتماعية، ولجهة إقرار خطة وطنية للحماية الاجتماعية ذات مضمون متقدم. بعد انتهائها من مداخلتها، تحادثت معها ولفتُّ نظرها بكلمات صريحة، إلى أن الانفجار الاجتماعي مقبل من الشمال، لا من أي منطقة أخرى، وأن على الحكومة أن تهتم بهذا الأمر، حيث أن تركيز الحكومة هو على الوضع في الجنوب والقرار 1701، وعلى الشأن الاقتصادي والمالي. أما المكون الاجتماعي في برنامج الحكومة فهو ضعيف وجزئي، في حين أنه يجب أن يحظى باهتمام مساو للملفات الأخرى.
كان ذلك في بداية شهر تشرين الثاني 2025. والآن ألفت النظر مجدداً إلى أهمية هذا الملف، وطبعاً هو ليس من مسؤولية وزارة الشؤون وحدها، بل من مسؤولية الحكومة أولا، والسلطات المحلية ثانياً.