فادي الحاج حسن/كاتب لبناني
تمثل الحروب والنزاعات المسلحة في جوهرها صراعًا بين إرادات سياسية واجتماعية، حين لا يقتصر التفوق على موازين القوى المادية والعسكرية الفجة، فيمتد ليشمل القدرة على إدارة الوعي الجمعي وتحقيق التكيف الاستراتيجي في بيئات معادية.
في سياق المواجهة القائمة بين قوى المقاومة في لبنان وإيران من جهة، والعدوان الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا من جهة أخرى، يبرز نموذج فريد من "سوسيولوجيا المقاومة" التي نجحت في تحويل فترات الضغط القصوى إلى فرص لإعادة البناء وفرض معادلات ردع جديدة تكسر غطرسة القوة التكنولوجية والاستخبارية للعدو.
فلسفة الصمت الاستراتيجي وإعادة بناء القدرة
تعرضت المقاومة، خلال خمسة عشر شهرًا من الاستباحة والاعتداءات المتكررة لانتقادات واسعة، طالت أحيانًا البيئة الداخلية التي تساءلت عن سبب عدم الرد المباشر أو ما عده البعض تراجعًا في القدرة على الردع. إلا أن التحليل السوسيولوجي والسياسي المعمق يكشف أن هذا "الصمت" لم يكن نتاج ضعف أو ارتداد، لقد كان هدوءًا نشطًا يندرج ضمن خطة خداع استراتيجي بالغة التعقيد. في ظل إطباق استخباري وعسكري صهيوني، استغلت المقاومة هذه المرحلة لترميم بنيتها التحتية وتطوير بروتوكولات قتالية جديدة تتلاءم والتحديات المستجدة.
إن الانتقال من مرحلة الانتظار إلى مرحلة المبادرة أثبت أن قرار المقاومة العسكري ليس انفعاليًا، هو فعل تدبيري محكم. لقد أدركت المقاومة أن مواجهة الغطرسة الصهيونية والأميركية تتطلب أولًا امتصاص الصدمة، ثم إعادة بناء منظومة القيادة والسيطرة بعيدًا عن أعين الرصد التقني. بذلك، تحولت تلك الأشهر، والتي ظن فيها العدو أنه استنزف المقاومة، إلى مرحلة تعافٍ وتعزيز أتاحت للمقاومين امتلاك زمام المبادرة في اللحظة الحاسمة، وهذا ما أفقد العدو توازنه وأربك حساباته الاستراتيجية والسياسية.
تحطم أسطورة "التفوق الاستخباري" باتجاه العمى الصهيوني
يعتمد الكيان الصهيوني، في استراتيجيته الهجومية، على مبدأ "التفوق المعلوماتي" وقدرته على الوصول إلى الأهداف عبر تكنولوجيا الاغتيالات والتعقب الاستخباري. مع ذلك، شهدت المرحلة الأخيرة تحولًا جذريًا يتمثل بإصابة هذا الجهاز بـالعمى الاستخباري؛ بعد أن كانت نسبة نجاح عمليات الاغتيال تصل إلى مستويات قياسية، تراجعت بشكل حاد لتصل إلى إخفاقات كبرى تجاوزت الخمسين بالمئة.
فشل العدو الذريع هذا هو نتاج مباشرة لوعي المقاومة الجمعي بأساليب الرصد الحديثة وتطبيقها لبروتوكولات وقائية صارمة عطلت أدوات الكشف والتعقب الفنية. إن نجاة القادة والكوادر من محاولات الاغتيال المتكررة لم تكن محض صدفة، هي انعكاس لنجاح المقاومة في عزل الميدان معلوماتيًا عن العدو، ما أدى إلى الإرباك في قيادة العدو للمنطقة الشمالية وفشل مشروعها في إنشاء "منطقة دفاع متقدم" أو تحقيق أي إنجاز بري حقيقي على الحافة الأمامية.
مأسسة حق الرد وتكامل الجبهات (لبنان وإيران)
في علم اجتماع الحروب، يعد تكامل الجبهات وسيلة لتعظيم القدرة على المناورة وتشتيت جهد العدو الدفاعي. تجلى ذلك بوضوح في التنسيق العالي بين المقاومة في لبنان والقوات المسلحة الإيرانية. إن إدارة "مناورة النار"، بشكل مشترك وتزامن الرشقات الصاروخية من لبنان مع الضربات النوعية من إيران، وضع أنظمة الدفاع الجوي الصهيونية (مثل القبة الحديدية ومقلاع داوود ومنظومة ثاد الأمريكية) في إغراق تقني وعملياتي.
هذا التنسيق المزدوج أدى إلى رفع نسبة وصول الصواريخ إلى أهدافها الاستراتيجية في العمق، خاصة في تل أبيب وحيفا، وهو ما يكرس حق الرد فعلًا مؤسسيًا يتجاوز رد الفعل الموضعي ليصبح استراتيجية دفاعية وطنية وإقليمية. إن المقاومة، هنا، لا تدافع عن نفسها فحسب، هي تمارس حقًا سياديًا في حماية الوطن وكسر الغطرسة التي تحاول واشنطن وتل أبيب فرضها أمرًا واقعًا في المنطقة.

الميدان والتحول إلى المقتلة.. سوسيولوجيا الالتحام
على مستوى المواجهة البرية، أثبتت المقاومة تفوقها النوعي من خلال قوات النخبة (قوة الرضوان)، والتي أدارت المعارك من "مسافة صفر". إن تحول قرى الحافة الأمامية، مثل الخيام وكفركلا إلى مقتلة لدبابات الميركافا وجنود الاحتلال يعكس صمودًا اجتماعيًا وعسكريًا لا يمكن هزيمته بالوسائل التقليدية. لقد نجحت المقاومة في استدراج العدو إلى فخاخ ميدانية محكمة، حيث يتم تدمير أحدث الآليات العسكرية بصواريخ موجهة ورؤوس انشطارية دقيقة؛ تُستخدم لأول مرة.
إن هذا الصمود الميداني، والمدعوم بزخم إعلامي ونشر فوري لتوثيق العمليات -كما حدث في تدمير الدبابات في تل النحاس- يعكس سيطرة تامة على الميدان والمعلومة. كما أن صدور البيانات العسكرية بوتيرة منتظمة ومكثفة يؤكد أن منظومة القيادة والسيطرة ما تزال متماسكة وتعمل بكفاءة عالية، ما يدحض ادعاءات العدو كلها عن تقويض قدرات المقاومة أو إضعاف هيكليتها التنظيمية.
معادلات الردع الجديدة وآفاق التحرير
فرض الانتقال من وضعية الدفاع السلبي إلى "التدرج الناري المدروس" معادلة ردع جديدة. إذ لم يعد العمق الصهيوني مكانًا آمنًا، حيث طالت صواريخ المقاومة القواعد الجوية الحيوية والمراكز الاستراتيجية في قلب الكيان. هذا التوسع في المدى العملياتي واستخدام أسلحة نوعية يؤكد أن المخزون الاستراتيجي للمقاومة لم يتأثر بسنوات الحصار أو أشهر العدوان، بل تعزز ليصبح قادرًا على فرض شروط المقاومة في أي تسوية سياسية قادمة.
إن المقاومة في لبنان، وهي تواجه الاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية، تمثل إرادة التحرر الوطني في وجه قوى الاستعمار الحديث. هي تبرهن يومًا بعد يوم أن الحق في الرد هو الأداة الوحيدة الفعالة في عالم لا يحترم إلا القوة، وأن الغطرسة، مهما بلغت قوتها التكنولوجية، ستنكسر أمام وعي الشعوب المنظمة وإرادة المقاتلين الذين آمنوا بقدسية الدفاع عن الأرض والكرامة.
في الختام
إن ما نراه، اليوم، هو استعادة تامة للمبادرة اللبنانية وإدارة احترافية لمعركة الأسلحة المشتركة، تضع جيش الاحتلال أمام مأزق عملياتي واستخباري غير محسوب. إن المقاومة لم تكن يومًا مردوعة، بل كانت في طور التحضير للحظة التي يدرك فيها العدو أن اعتداءاته كلها لن تقابل إلا بمزيد من الإصرار على النصر واستعادة الحقوق المسلوبة.
***
المصادر
* مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير. (2026). استعادة المبادرة اللبنانية: تقييم وضعية المقاومة والعدو في الأيام الأولى للحرب*. ufeed.info.
* مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير. (2026). فشل الاستراتيجية الصهيونية: من التفوق المعلوماتي إلى العمى الاستخباري*. ufeed.info.
* مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير. (2026). تكامل الجبهات وإدارة مناورة النار: قراءة في التنسيق بين المقاومة في لبنان وإيران*. ufeed.info.
* مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير. (2026). سوسيولوجيا الصمود الميداني: معارك الخيام وكفركلا وتحطم أسطورة الميركافا*. ufeed.info.