اوراق خاصة

حرب تغيير التوازنات

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

بعد أيام قليلة فقط من اندلاع المواجهة الإقليمية الأخيرة، لم يعد النقاش يدور في نتائج الضربات الأولى بقدر ما بات يدور في سؤال أعمق: هل نشهد مجرد جولة جديدة من الصراع أم أن المنطقة دخلت فعلًا طورًا مختلفًا في توازن القوة؟

في القراءة الأولية لما جرى خلال الأسبوع الأول من الحرب، يظهر أن الفرضية التي بنت عليها واشنطن وتل أبيب حساباتهما الأساسية كانت تقوم على منطق الحسم السريع. هذا المنطق يستند تقليديًا إلى عنصرين، وهما: التفوق الجوي المطلق والقدرة على شل البنية العسكرية للخصم في الساعات الأولى من الحرب. غير أن التطورات الميدانية تشير إلى أن هذا النموذج يواجه اختبارًا حقيقيًا، ليس لأن الولايات المتحدة فقدت قدراتها العسكرية، بل لأن خصومها طوروا أدوات قادرة على تعقيد استخدام هذه القدرات.

المسألة الأساسية هنا ليست عدد الصواريخ التي أطلقت، إنما في طبيعة المنظومة الصاروخية نفسها. في العقد الأخير استثمرت إيران بكثافة في تطوير ترسانتها الباليستية، منها صواريخ مثل خرمشهر 4، إضافة إلى إعلانها عن صاروخ فرط صوتي مثل فتاح. هذه المنظومات لا تمثل فقط قدرة هجومية، هي أداة استراتيجية لتقليص فعالية أنظمة الدفاع الجوي الغربية مثل ثاد وباتريوت، وهي الأنظمة التي شكلت لعقود العمود الفقري للمظلة الدفاعية الأمريكية في الخليج.

التغير الذي تشير إليه الوقائع لا يعني انهيار هذه المنظومات، لكنه يعني أن الحرب دخلت مرحلة جديدة، حيث لم تعد الدفاعات قادرة على ضمان الحماية الكاملة كما كان يفترض سابقًا. هذا التطور بحد ذاته كافٍ لتغيير الحسابات العسكرية والسياسية، لأن أي تراجع في اليقين الدفاعي يفتح الباب أمام معادلات ردع مختلفة تمامًا.

في موازاة ذلك؛ يتضح أن الصراع لم يعد محصورًا في البعد العسكري المباشر. إذ إن المضائق البحرية وخطوط الطاقة عادت لتتحول إلى أدوات ضغط استراتيجية. يكفي أن يتهدد الأمن في مضيق هرمز حتى تدخل أسواق الطاقة العالمية في اضطراب، نظرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الممر البحري الضيق.

في مثل هذه الظروف لا تحتاج الدولة، والتي تريد الضغط، إلى إعلان إغلاق المضيق رسميًا. إذ إن مجرد ارتفاع المخاطر الأمنية كفيل بزيادة تكاليف التأمين البحري وتعطيل جزء من حركة الشحن، وهو ما ينعكس فورًا على أسواق الطاقة وعلى الاقتصادات المرتبطة بها. هذه المعادلة تجعل الاقتصاد جزءًا عضويًا من ساحة المعركة، وليس مجرد خلفية لها.

أما على المستوى البري، الجبهة اللبنانية تعود مرة أخرى لتؤدي دورًا مركزيًا في المعادلة الإقليمية. التجربة التاريخية منذ حرب العام 2006 أظهرت أن أي مواجهة واسعة مع لبنان لا يمكن أن تبقى محدودة زمنيًا أو جغرافيًا. هذه الحقيقة حذر منها أكثر من مسؤول إسرائيلي سابق، منهم بينهم رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت الذي أشار في أكثر من مناسبة إلى أن حربًا واسعة في لبنان قد تتحول إلى نزاع طويل ومكلف.

إعادة تفعيل هذه الجبهة لا تعني فقط توسيع رقعة العمليات؛ أيضًا تعني تعقيد بيئة "إسرائيل" الاستراتيجية. إذ إن جيش الاحتلال الإسرائيلي صُمم تاريخيًا لخوض حروب قصيرة وسريعة تعتمد على التفوق الجوي والمناورة البرية السريعة. أما الحروب الطويلة متعددة الجبهات؛ فهي تحدٍ مختلف تمامًا، لأنها تستنزف الاقتصاد والمجتمع بقدر ما تستنزف الجيش.

من ناحية أخرى، تشير التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة إلى أن واشنطن تحاول إعادة توزيع أدواتها العسكرية بطريقة تقلل من المخاطر المباشرة على قواتها. القاذفات الاستراتيجية، مثل بي 1 لانسر، قادرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى انطلاقًا من قواعد أوروبية مثل قاعدة فيرفورد الجوية في بريطانيا، ما يسمح للولايات المتحدة بالاحتفاظ بقدرتها الضاربة من دون إبقاء أصولها الجوية الرئيسة داخل نطاق التهديد المباشر.

هذه الاستراتيجية تعكس تحولًا مهمًا في طريقة إدارة الحرب. إذ بدلًا من الاعتماد على التمركز المكثف في الخليج، باتت واشنطن تميل إلى توزيع قدراتها عبر مسافات أوسع، وهو أسلوب يقلل من المخاطر؛ لكنه قد يبطئ أيضًا سرعة العمليات.

إذا جمعنا هذه العناصر معًا، يتضح أن ما نشهده ليس مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، هو اختبار لنموذج كامل من التوازنات التي حكمت منطقة غرب آسيا ا(لشرق الأوسط) منذ نهاية حرب الخليج في العام 1991. في ذلك الوقت كرست الحرب تفوقًا عسكريًا أمريكيًا شبه مطلق في المنطقة، لكن التطورات التكنولوجية والعسكرية خلال العقود الثلاثة الماضية بدأت تدريجيًا في تقليص هذا التفوق.

لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة فقدت موقعها بصفتها قوة عظمى، فالفارق في القدرات الشاملة ما يزال كبيرًا. لكن ما يتغير هو طبيعة القدرة على استخدام هذه القوة. إذ كلما زادت تكلفة التدخل العسكري المباشر، وكلما أصبحت القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية عرضة للتهديد يصبح استخدام القوة أكثر تعقيدًا سياسيًا وعسكريًا.

في هذا السياق؛ يمكن فهم ما يجري اليوم بوصفه لحظة انتقالية في ميزان القوى الإقليمي. القوى المحلية والإقليمية لم تعد مجرد أطراف تتلقى نتائج الصراع بين القوى الكبرى، لقد أصبحت تمتلك أدوات قادرة على التأثير في مسار هذا الصراع نفسه.

بناء على ذلك؛ السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه الحرب ليس من سيربح الجولة الحالية، بل أي نظام إقليمي سيخرج من تحت ركامها؟.. الحروب الكبرى، في غرب آسيا (الشرق الأوسط) نادرًا ما تنتهي فقط بتغيير خطوط الجبهة، بل غالبًا ما تعيد رسم قواعد اللعبة بأكملها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد