اوراق مختارة

الحكومة اللبنانية إلى «الاستسلام التفاوضي»

post-img

هادي بلوط/جريدة الأخبار

بينما تدخل إسرائيل المرحلة المقبلة بعقلية الحرب والتصعيد، تتجه الحكومة اللبنانية إلى التفاوض من موقع الضعف، بلا رؤية واضحة ولا أوراق ضغط فعلية. في هذا السياق، تبدو المفاوضات أقرب إلى مسار لفرض الشروط على لبنان لا إلى تسوية تحميه، ما يثير سؤالًا أساسيًا: ماذا سيجني اللبنانيون من طاولة يذهبون إليها بسلة فارغة؟

في اللحظة التي تتصاعد فيها الحرب، وتعلن دولة الكيان عن إطلاق عملية برّية ربما تدفع إلى تعبئة مئات آلاف جنود الاحتياط، تختار الحكومة اللبنانية طريقًا يبدو أقرب إلى الاستسلام منه إلى التفاوض. فبدل أن تتصرف الدولة كطرف يعيش حربًا مفتوحة مع عدو تاريخي، تتصرف كأنها أمام فرصة دبلوماسية عادية يمكن أن تُدار عبر الوسطاء والبيانات الهادئة.

المشكلة ليست في مبدأ التفاوض نفسه. فالتفاوض، في أي صراع، أداة من أدوات السياسة. لكن السؤال البسيط الذي يتجاهله أهل السلطة في بيروت هو: بأي أوراق قوة يذهب لبنان إلى هذه المفاوضات؟ وما الذي يملكه ليقدّمه أو ليمنعه؟

التاريخ القريب للصراع مع إسرائيل يقول شيئًا واحدًا بوضوح: لم يحصل لبنان على أي إنجاز سياسي أو أمني إلا عندما كان العدو يشعر بأن كلفة الحرب أعلى من كلفة التسوية. هكذا انسحبت إسرائيل من الجنوب عام 2000، وهكذا فشلت في فرض شروطها في حرب تموز 2006. أما عندما يذهب العرب إلى التفاوض من موقع الضعف، فإن النتيجة تكون عادة تثبيت الهزيمة لا إنهاء الصراع.

اليوم تبدو الحكومة اللبنانية وكأنها قررت الذهاب إلى الطاولة وهي لا تحمل شيئًا. لا رؤية واضحة، ولا استراتيجية، ولا حتى حدًّا أدنى من التفاهم الداخلي. بل إن المفارقة أن السلطة نفسها تعلن عمليًا أن القوة العسكرية التي تقاتل إسرائيل على الأرض – أي المقاومة – هي خارج إطار الشرعية. أي أن الدولة تدخل إلى التفاوض بعدما نزعت بنفسها أهم ورقة ضغط يمكن أن يملكها لبنان في مواجهة إسرائيل.

في المقابل، لا يبدو أن إسرائيل تتصرف كطرف يبحث عن تسوية. الإعلام الإسرائيلي يتحدث عن خطط لتعبئة واسعة قد تصل إلى 450 ألف جندي احتياط، وعن استعدادات لعمليات عسكرية أوسع. المسؤولون الإسرائيليون يتحدثون بلغة مختلفة تمامًا عن لغة المفاوضات. وزير خارجيتهم يقول إنه لا توجد خطط للتفاوض المباشر مع لبنان، ووزير الطاقة يتحدث عن إلغاء اتفاق الغاز الذي كان يُفترض أنه إنجاز تفاوضي لبيروت.

هذا يعني ببساطة أن إسرائيل تدخل إلى المرحلة المقبلة بعقلية الحرب، بينما تدخل الحكومة اللبنانية بعقلية الاستسلام غير المشروط. وهنا تكمن المشكلة الأساسية: ما يجري ليس مفاوضات بين طرفين متكافئين، بل محاولة من طرف ضعيف لطلب الهدنة من طرف يشعر بأنه يملك اليد العليا. وفي مثل هذه الحالات، لا تكون الطاولة مكانًا لصناعة الحلول، بل منصة لفرض الشروط.

الأخطر أن ما يُطرح في الكواليس الدولية – من مقترحات تتحدث عن الاعتراف بإسرائيل ونزع سلاح المقاومة – يشير إلى أن المطلوب من لبنان ليس مجرد ترتيبات أمنية على الحدود، بل تغيير كامل في قواعد الصراع. أي أن المطلوب هو تسليم أوراق القوة اللبنانية مقابل وعد غامض بوقف القتال.

هنا تصبح الصورة أكثر وضوحًا: ما يجري ليس مفاوضات بالمعنى السياسي للكلمة، بل عملية ضغط منظّمة لدفع لبنان إلى تقديم تنازلات استراتيجية تحت النار.

المشكلة أن هذا النوع من «الاستسلام التفاوضي» لا يحقق حتى الغاية التي يسعى إليها أصحابه. فالتاريخ يقول إن الاستسلام لا يضمن السلام. والعدو الذي يرى خصمه يسلّم أوراقه لن يتوقف عند الحد الأدنى، بل سيطلب المزيد.

لهذا تبدو هذه المفاوضات أقرب إلى استسلامٍ لا يرفع السيف عن رقبة المستسلم. فالذي يذهب إلى الطاولة بلا قوة، وبلا وحدة داخلية، وبلا استراتيجية، لا يشتري السلام، بل الهزيمة أو الإستسلام .

هذا ما يجب أن يفهمه أهل السلطة في بيروت: إسرائيل لا تفاوض الضعفاء لتصنع معهم تسوية، بل لتأخذ منهم ما يمكن أخذه من دون حرب إضافية. أما إذا شعرت بأن الطرف المقابل لا يملك شيئًا، فلن تعطيه شيئًا أيضًا. لهذا كله، تبدو الحكومة اللبنانية اليوم وكأنها تتجه إلى المفاوضات بسلة فارغة. والسؤال الذي سيبقى معلقًا فوق رؤوس اللبنانيين ليس ماذا سنحصل من هذه المفاوضات، بل كم سنخسر بسببها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد