اوراق مختارة

حربنا لا «حروب الآخرين»

post-img

محمود محسن/جريدة الأخبار

على امتداد سنوات طويلة، لم يكن تعبير «حروب الآخرين» مجرّد عبارة عابرة في القاموس السياسي اللبناني، بل تحوّل إلى أداة تفسيرية تُستدعى كلما اشتد الالتباس، وكأنه مفتاح جاهز لتبسيط تعقيدات صراعٍ يتجاوز في جذوره حدود التوصيفات السطحية. ومع مرور الزمن، لم يعد هذا التعبير توصيفًا، بل أصبح موقفًا سياسيًا كاملًا، يُعاد من خلاله ترتيب الوقائع، لا على أساس ما حدث فعلًا، بل وفق ما يُراد له أن يُفهم.

بموجب هذا المنطق، لم يعد العدوان الإسرائيلي على لبنان - بأرضه وثرواته وسيادته - حقيقةً قائمة بذاتها، بل تحوّل إلى نتيجة «مُستدعاة»، كأن لبنان لم يكن هدفًا، بل ساحةً أُسيء استخدامها. وهكذا، تُنقل بوصلة المسؤولية من الفاعل إلى «الظرف»، ومن المعتدي إلى «البيئة»، في عملية لا تخلو من إعادة كتابة صامتة للتاريخ.

غير أنّ هذا الخطاب لم ينشأ في فراغ، بل توازى مع تيارٍ سياسي داخل لبنان رأى، في مراحل معيّنة، في إسرائيل أكثر من خصم، بل شريكًا محتملًا في معادلة السلطة. ومن هنا، نشأت فكرة أن التحالف مع إسرائيل، أو الانفتاح عليها، قد يشكّل مدخلًا إلى دعمٍ دولي، يتيح إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية. ولم تبقَ هذه الفكرة في حيّز التنظير، بل تحوّلت إلى تجربة سياسية حية، وإن كانت قصيرة العمر، إلا أن آثارها ما زالت تتردد في الذاكرة اللبنانية.

اليوم، يعود هذا الخطاب بثوبٍ جديد، لكن بروحٍ قديمة. تعود عبارة «حروب الآخرين» لتُستخدم، لا بوصفها توصيفًا، بل كأداة تبريرٍ غير مباشرة، تُقدَّم من خلالها المواجهات الأخيرة، بما فيها حرب الأيام الـ 66 وعمليات المقاومة، وكأنّها مجرّد «استفزازات» أطلقت شرارة رد الفعل الإسرائيلي. وهنا، يبلغ التوصيف حدّ قلب المعادلة: فبدلًا من أن يكون العدوان سببًا، يصبح نتيجة، وبدلًا من أن يكون الاحتلال فعلًا، يصبح ردّ فعل.

هكذا، تُبرَّأ إسرائيل، لا ببيانٍ رسمي، بل بمنطقٍ مُضمَر. ليست هي التي تمارس القتل المنهجي بحق المدنيين، ولا هي التي تفرض الاحتلال وتوسع المستوطنات، ولا هي التي تنتهك سيادة لبنان في بره وبحره وسمائه، ولا هي التي تستنزف ثرواته وتدفع مجتمعه إلى حافة الانهيار. بل تُصوَّر، في هذا الخطاب، كقوةٍ «تدافع» عن نفسها، وكأن الضحية هي من تستدعي جلادها.

هذا المنطق لا يقف عند حدود التفسير، بل يتجاوزها إلى إعادة تعريف الداخل اللبناني نفسه. فحين يُقال «حروب الآخرين»، لا يُقصد فقط الخارج، بل يُعاد رسم الداخل، حيث يصبح بعض اللبنانيين «آخرين» في وطنهم، وتُختزل معاناتهم إلى هامشٍ في رواية لا تعترف بهم إلا بوصفهم عبئًا أو خطرًا.

هنا، تتكشف خطورة الخطاب: إذ تتحول الدولة، في ظله، إلى كيانٍ يفقد حساسيته تجاه آلام جزءٍ من شعبه، ويتعامل مع الاعتداءات التي تطالهم كما لو أنها تقع خارج حدوده. لا غضب يوازي الجريمة، ولا مسؤولية توازي الدم، بل بياناتٌ باردة تُقال وكأنها تُخاطب عالمًا آخر.

في المقابل، تتبلور لدى بيئة المقاومة، ولدى قطاعٍ واسع من اللبنانيين، قناعة راسخة بأنّ الدفاع عن لبنان، أرضًا وسيادةً وإنسانًا، ليس خيارًا سياسيًا، بل واجبٌ وجودي. وأنّ ما يُسمّى «دعمًا خارجيًا» لا يمكن اختزاله في معادلات المصالح الضيقة، بل هو، في جوهره، تعبير عن صراعٍ أوسع بين منطق الهيمنة ومنطق المقاومة.

لكن، وهنا بيت القصيد، لا بدّ من التوقّف عند ما هو أخطر من التحليل: التحذير. إنّه تحذير. ليس توصيفًا، ولا مجرّد قراءة، بل تحذيرٌ صريح، مباشر، لا يحتمل التأويل. تحذيرٌ لكلّ من يظنّ أنّ الطريق إلى تثبيت موقعه في لبنان يمرّ عبر بوابة إسرائيل. فكيانٌ يقوم على إنكار الشرعية، لا يمكن أن يمنحها. وقوةٌ تُعرِّف نفسها بالفعل العدواني، لا يمكن أن تكون مصدرًا لأمنٍ أو استقرار.

تحذيرٌ لكلّ من يعتقد أنّ نزع صفة الانتماء عن الطائفة الشيعية، أو عن بيئة المقاومة، أو عن القوى الوطنية، يمكن أن يشكّل مدخلًا لبناء توازنٍ داخلي. فهذا المسار، إن استمر، لن يقود إلا إلى تفكيك ما تبقّى من معنى الدولة، وإلى دفع لبنان نحو فتنةٍ لا تُحمد عقباها - فتنةٍ طائفية، أمنية، وربما عسكرية.

تحذيرٌ من أن الاستمرار في توصيف الدفاع عن لبنان بأنّه «حروب الآخرين» ليس مجرّد خطأٍ سياسي، بل خطيئةٌ وطنية، لأنّه يُحوّل جزءًا من اللبنانيين إلى «غرباء» في وطنهم، ويُسقط عنهم حقهم في الحماية والاعتراف.

تحذيرٌ من أنّ هذا الخطاب، إذا ترسّخ، لن يضعف المقاومة فحسب، بل سيُضعف الدولة نفسها، ويقوّض مشروعيتها في أعين من يُفترض أنّها تمثّلهم. تحذيرٌ من أنّ تجاهل هذه الحقائق، أو القفز فوقها، لن يؤدّي إلى الاستقرار، بل إلى انفجارٍ مؤجّل، تتراكم أسبابه بصمتٍ حتى يحين أوانه.

في المقابل، فإنّ الطريق الآخر - الوحيد القابل للحياة - هو الاعتراف بأنّ لبنان لا يُبنى بإقصاء بعضه، ولا بتغريب جزءٍ منه، بل بتوحيد قواه في مواجهة العدوان، وبإعادة تعريف الوطنية بوصفها شراكةً كاملة لا تقبل التجزئة. المقاومة في لبنان ليست طارئة، ولا وافدة، ولا قابلة لأن تُختزل في توصيفاتٍ جاهزة. هي امتدادٌ لتاريخٍ طويل من الدفاع عن الأرض والكرامة، تاريخٌ سابق على كلّ المحاور، وأعمق من كلّ الاصطفافات.

من هنا، فإنّ السؤال الحقيقي لم يعد: «هل هذه حروب الآخرين؟»، بل: من الذي يحاول أن يجعل من أبناء الوطن غرباء في وطنهم؟

هنا، تكمن الإجابة… وهنا، يبدأ الخطر.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد