فاتن الحاج (صحيفة الأخبار)
«مرحباً أحبائي، ما تنسوا صف الأونلاين بين الثانية إلا عشر دقائق والثانية والنصف»
كانت تلك رسالتها الأخيرة. موعد بسيط مع أطفالها، اعتادوا عليه وكانت تنتظره كما ينتظرونها. لكنها، في ذلك اليوم، لم تصل إلى الصف الافتراضي، بل وصلت إلى موعد أبعد.
سارة القاضي، ابنة بلدة العين وزوجة شاب من البزالية البقاعية، كانت معلمة لغة إنكليزية لصف الروضة الأولى في ثانوية الإمام الباقر التابعة لجمعية المبرات الخيرية في الهرمل. لم تكن معلمة عادية، وفق ما يصفها زملاؤها، بل قريبة من تلامذتها إلى حدّ جعل حضورها يتجاوز حدود الصف.
في عامها الثاني فقط في التعليم، استطاعت أن تبني علاقة خاصة مع الأطفال، قائمة على الاهتمام والاحتواء. كانت تدرك أن هذه المرحلة العمرية تحتاج إلى أكثر من التعليم، فكانت تنزل إلى عالمهم، تشاركهم تفاصيل يومهم، وتمنحهم شعوراً بالأمان. لذلك، كان غيابها، حتى لأسباب صحية، يترك أثراً واضحاً لديهم، وكانوا يسألون عنها باستمرار كأنهم يفتقدون أمّاً، على ما يقول زملاؤها.
في موازاة ذلك، كانت تعيش ظرفاً صحياً دقيقاً، إذ كانت حاملاً بتوأم. ومع ذلك، استمرت في عملها، وكانت تُبلغ الإدارة بإمكانية عدم قدرتها على الاستمرار، لكنها في كل مرة كانت تختار البقاء، ومتابعة دورها حتى اللحظات الأخيرة.
زملاؤها يذكرونها كإنسانة محبة ومتعاونة، فاعلة ضمن فريق العمل، لا سيما في التنسيق مع الإدارة والبحث عن حلول خلال فترات التعطيل. ومع بداية الحرب، وانقطاع التواصل في أسبوعها الأول، كانت من أوائل من عادوا إلى متابعة التعليم عن بُعد.
عند الساعة الواحدة وتسع دقائق، سُجّل آخر تواصل بينها وبين مسؤولها التربوي، في إطار متابعة العمل.
قبل ذلك، كانت تواظب يومياً على الانتقال بين منزلها ومدرستها في الهرمل، رغم المسافة، التزاماً بعملها.
استشهدت سارة في منزل أهل زوجها، في مكان سبق أن تعرّض للاستهداف خلال عدوان أيلول 2024. رحلت وهي حامل، تاركة أثراً كبيراً في محيطها التربوي والإنساني.
اليوم، يستعيد تلامذتها وزملاؤها حضورها في تفاصيل صغيرة: في كلمة يتعلّمها طفل بثقة، في مقعد ينتظرها، وفي ذاكرة صف لم تغادره تماماً.
أما الحصة التي وعدت بها عند الثانية، فلم تُعقد.
وبقي الموعد... معلّقاً.