د. علي محمود الموسوي (صحيفة الديار)
تطرح مسألة امتناع بعض اللبنانيين عن تأجير مساكنهم لمواطنين نازحين من الجنوب أو البقاع أو الضاحية الجنوبية، بذريعة انتمائهم السياسي أو الخشية من الاستهداف الإسرائيلي، إشكالية قانونية ودستورية دقيقة تمسّ جوهر النظام اللبناني القائم على الحريات والمساواة.
ينصّ الدستور اللبناني في مقدمته (الفقرة "ج" ) على أن "لبنان جمهورية ديموقراطية تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد" ، كما تؤكد على مبدأ المساواة بين اللبنانيين دون تمييز أو تفضيل. وعليه، فإن أي تمييز في التعامل بين المواطنين على أساس انتمائهم السياسي أو الجغرافي، يُعدّ مساساً بهذه المبادئ الدستورية، خاصة عندما يتعلق بحق أساسي كالسكن، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالكرامة الإنسانية.
إلا أن العلاقة الإيجارية في القانون اللبناني تخضع أيضاً لمبدأ "حرية التعاقد" ، حيث يملك المؤجّر من حيث المبدأ حرية اختيار المستأجِر، ما لم يقترن هذا الاختيار بمخالفة للنظام العام، أو ينطوي على تمييز تعسفي واضح. وهنا يكمن التحدي: هل يُعدّ رفض التأجير بدافع سياسي أو أمني ممارسة مشروعة لحرية التعاقد، أم تمييزاً مخالفاً للدستور؟
يمكن القول إن التذرع بالخوف من الاستهداف لا يسوّغ قانوناً التمييز بين المواطنين، خصوصاً إذا كان مبنياً على افتراضات جماعية أو أحكام مسبقة. فالقانون لا يجيز تحميل الأفراد مسؤولية أخطار عامة أو نزاعات مسلحة، ولا يبرر الإقصاء الاجتماعي تحت ذريعة الأمن. ثم إن مثل هذه الممارسات قد تندرج ضمن مفهوم "إساءة استعمال الحق"، حين يُستخدم حق مشروع (حرية التعاقد) لتحقيق غاية غير مشروعة (التمييز والإقصاء).
في المحصّلة، يقف القانون اللبناني في روحه ونصوصه، إلى جانب حماية كرامة الإنسان ومنع التمييز بين المواطنين، ويدعو إلى موازنة دقيقة بين حرية الفرد في التعاقد وواجبه في عدم الإضرار بالغير، أو المساس بحقوقهم الأساسية. وفي ظلّ الأزمات، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى التضامن الوطني، لا إلى تكريس الانقسامات.