فادي الحاج حسن/كاتب لبناني
يشهد الصراع الجيوسياسي، في منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط)، منعطفًا تاريخيًا حرجًا، فقد تحول العدوان الصهيو-أمريكي على الجمهورية الإسلامية في إيران إلى صراع إرادات معقد؛ تتداخل فيه المصالح الاقتصادية الكبرى بالهواجس الأمنية الوجودية. إن القراءة المتأنية للمسار التاريخي والتحليلات الاستراتيجية تكشف تحولًا جوهريًا في طبيعة الأهداف الصهيو-أمريكية، من غايات استراتيجية كبرى كانت تسعى لتغيير وجه المنطقة والنظام الدولي، إلى أهداف تكتيكية وإجرائية فرضتها وقائع الميدان وتنامي قوة الردع الإيرانية.يهدد الردع الإيراني المركب قرار الحرب الأمريكي برفع تكلفة العدوان إلى مستويات غير مسبوقة، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تقييد القرار العسكري الأمريكي والحد من قدرة واشنطن على الإكراه.
يتجلى هذا التهديد في عدة جوانب استراتيجية وجيوسياسية:
1. طبيعة الردع متعدد الطبقات: يتكون هذا الردع من مزيج من الموقع الجغرافي الحساس، والقدرات الصاروخية المتطورة، والطائرات المسيرة، والسيطرة البحرية، بالإضافة إلى البرنامج النووي. هذا التكامل في القدرات يخلق منظومة دفاعية تجعل من الصعب على الولايات المتحدة تحقيق "انتصار منخفض التكلفة".
2. عقدة مضيق هرمز والاقتصاد العالمي: يمثل موقع إيران الجغرافي قدرة على التحكم غير المباشر بأسعار الطاقة العالمية؛ حيث يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا (20% من الاستهلاك العالمي) ونحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال؛ أي تهديد للملاحة في هذا المضيق يضيف "علاوة مخاطر" على أسعار النفط والشحن، ما يؤدي إلى زيادة ضغوط التضخم على الاقتصاد الأمريكي وحلفائه، وهو ما يجعل قرار الحرب مقامرة اقتصادية كبرى.
3. تقليص قدرة الإكراه الأمريكية: تشير التحليلات الغربية إلى أنه مع اكتمال طبقات هذا الردع، تنخفض قدرة أمريكا على ممارسة الضغوط الإكراهية، وتصبح الحرب "أداة لمنع اكتمال الردع" قبل أن تصل كلفته إلى مستوى يمنع أي تحرك عسكري مستقبلي.
4. حماية مسار التعددية القطبية: يسهم الردع الإيراني في حماية اندماج إيران مع قوى دولية كبرى، مثل الصين وروسيا، ضمن "محور أوراسيا"؛ حيث يوفر هذا الردع المظلة الأمنية لتطوير سوق موازية للنفط والتمويل خارج الهيمنة الأمريكية، ما يضعف أثر سلاح العقوبات الذي تعتمد عليه واشنطن بديلًا عن الحرب.
5. تهديد التوازنات الإقليمية: إن أي تحول في ميزان القوى لمصلحة إيران وشبكات نفوذها يهدد التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، ويؤدي إلى تآكل الردع الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا، ما يضع صانع القرار الأمريكي أمام خيارات صعبة للموازنة بين حماية حلفائه وتجنب الانزلاق إلى صراع إقليمي شامل.
بناءً على ذلك؛ يمثل الردع الإيراني المركب عائقًا بنيويًا أمام قرار الحرب؛، لأنه يحول أي مواجهة عسكرية من مجرد عملية محدودة إلى أزمة دولية تهدد استقرار النظام المالي والطاقوي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
الأهداف الاستراتيجية الكبرى (الرؤية التأسيسية للعدوان)
تستند الاستراتيجية الأمريكية إزاء إيران، كما تعرّفها مراكز الفكر الغربية، إلى مفهوم "الهيمنة الإكراهية منخفضة التكلفة" على الموارد الاستراتيجية.
يمكن تلخيص هذه الأهداف الاستراتيجية، والتي كانت تمثل السقف الأعلى للمشروع الصهيو-أمريكي، في النقاط الآتية:
1. السيطرة على النظام المالي والطاقوي العالمي: سعت واشنطن لدمج موارد إيران الضخمة (10-13% من احتياطات النفط العالمية وثاني أكبر احتياطي غاز) ضمن النظام الدولي الذي تقوده، ليس لمتلاكها وحسب، إنما للتحكم في شروط تدفقها وتسعيرها. الهدف كان توسيع نطاق استخدام الدولار، في قطاع الطاقة، وضمان استقرار السوق العالمي ما يخدم الاقتصاد الأمريكي.
2. منع تشكل نظام دولي موازٍ (محور أوراسيا): تمثل إيران حلقة وصل حيوية إذا أرادت منع نشوء نظام متعدد الأقطاب يضم روسيا والصين. كانت الحرب الاستراتيجية تهدف إلى منع اندماج إيران في مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، وحرمان بكين من الحصول على طاقة بأسعار تفضيلية خارج الهيمنة الأمريكية.
3. إسقاط النظام وتغيير الهوية السياسية: كان الهدف المركزي والأول هو "إسقاط النظام" وتغيير قيادته، لخلق نظام تابع يفتح قطاع الطاقة أمام الاستثمارات الغربية، ويعيد ربط طهران بالنظام المالي الذي تقوده واشنطن.
4. حماية التفوق النوعي الإسرائيلي: من منظور صهيوني مدعوم أمريكيًا، كان الهدف الاستراتيجي هو منع إيران من الوصول إلى "عتبة نووية" وضمان بقاء إسرائيل القوة المهيمنة وحيدة في المنطقة، مع تفكيك ما يسمى بـ "شبكات الوكلاء" لضمان أمن الكيان الصهيوني بشكل مطلق.
التحول نحو الأهداف التكتيكية (إدارة الأزمات بدلًا من الحسم)
مع اصطدام الطموحات الاستراتيجية بجدار "الردع الإيراني المركب"، والذي يشمل الموقع الجغرافي والصواريخ والطائرات المسيرة، والسيطرة البحرية، بدأت واشنطن و"تل أبيب" في تقليص سقف التوقعات. كما تحول التركيز من "تغيير النظام" إلى "تغيير سلوك النظام"، ومن "تفكيك القدرات" إلى "إدارة التهديد".
بدلًا من حرب شاملة لإزالة البرنامج النووي، انتقل العدو إلى عمليات تكتيكية (سيبرانية واغتيالات) تهدف فقط إلى تأخير الوصول إلى العتبة النووية، مع الاعتراف الضمني بصعوبة منعها نهائيًا. ونظرًا إلى خطورة إغلاق مضيق هرمز؛ تحول الهدف من السيطرة الكاملة على المضيق إلى محاولة "تدويل أمن الملاحة" وتقاسم أعباء الحماية مع قوى أخرى لتخفيف الضغط عن الأسطول الأمريكي.
في ظل العجز عن مواجهة مباشرة مع طهران، يركز الكيان الصهيوني حاليًا على أهداف تكتيكية تتمثل بضرب خطوط الإمداد والمنشآت العسكرية في دول الجوار، وهو ما يعكس تراجعًا عن القدرة على حسم الصراع استراتيجيًا. كما أن استخدام العقوبات أداة للضبط لا الإسقاط: تحولت العقوبات من وسيلة لإسقاط النظام إلى أداة تكتيكية لـ "تعطيل" إيران وإبقائها خارج السوق مؤقتًا لضبط توازنات الأسعار العالمية، بانتظار ظروف جيوسياسية أفضل.
تحليل الدوافع الجيوسياسية لهذا التحول
سبب هذا التحول من الاستراتيجي إلى التكتيكي يعود إلى عدة عوامل؛ رصدتها المصادر والتقارير الدولية:
1. كلفة الإكراه المرتفعة: أدركت واشنطن أن تكلفة الحرب الشاملة على إيران ستؤدي إلى انهيار اقتصادي عالمي بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم.
2. الفشل في عزل إيران اقتصاديًا: تطور "سوق موازية" للنفط الإيراني تستخدم العملة الصينية، وتلتف على النظام المالي الغربي أضعف أثر العقوبات كنها أداة تغيير استراتيجي.
3. تغير ميزان القوى الإقليمي: أحداث مثل "طوفان الأقصى" والردود الإيرانية المباشرة أدت إلى تآكل الردع الإسرائيلي، ما أجبر التحالف الصهيو-أمريكي على الانكفاء نحو أهداف دفاعية وتكتيكية لحماية ما تبقى من "ميزان القوى الناجم عن ترتيبات ما بعد الحرب".
في الخلاصة
إن الانتقال الصهيو-أمريكي من الأهداف الاستراتيجية الكبرى (إسقاط النظام، السيطرة المطلقة على الطاقة، ومنع التعددية القطبية) إلى الأهداف التكتيكية (الاحتواء، الاستنزاف، وإدارة التوتر) هو اعتراف ضمني بفشل مشروع الهيمنة الكلية.
فرضت إيران، بامتلاكها عناصر "الردع متعدد الطبقات"، على خصومها واقعًا جديدًا يجعل من أي مغامرة استراتيجية كبرى انتحارًا اقتصاديًا وسياسيًا. لذلك، يكتفي العدو اليوم بمحاولات "تقليم الأظافر" تكتيكيًا، بينما تستمر طهران في تعزيز موقعها بصفتها عقدة طاقة ونفوذ لا يمكن تجاوزها في النظام الدولي الناشئ.
هذا التحول لا يعكس فقط قدرة إيران على بناء ردع فعال، إنما يسلط الضوء أيضًا على التحديات المتزايدة التي تواجه القوى التقليدية في فرض إرادتها في عالم متعدد الأقطاب، حيث أصبحت التكاليف الاقتصادية والجيوسياسية للتدخل العسكري المباشر باهظة للغاية، ما يدفع نحو استراتيجيات أكثر حذرًا وغير مباشرة.
المصادر والمراجع
مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير. (2026). الأهداف الأمريكية الاستراتيجية للعدوان على إيران. بيروت، لبنان.
وكالة الطاقة الدولية. (2025). تقرير تدفقات الطاقة العالمية وتأثير التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز. باريس، فرنسا.
المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS). ميزان القوى العسكري والردع الإيراني في الشرق الأوسط. لندن، المملكة المتحدة.
المجلس الأطلسي. التحولات الجيوسياسية في أوراسيا ودور إيران في النظام الدولي الناشئ. واشنطن، الولايات المتحدة.