اوراق خاصة

بين "لاهوت التكنولوجيا" و"الأسلحة الغبية".. إمبراطورية أميركا ستنهار

post-img

د. زينب الطحان/كاتبة وأستاذة جامعية

ليس من السهل تحدي الفكرة الأكثر رسوخًا، في العقل السياسي المعاصر، والتي تقول بأنّ القوة العسكرية الكاسحة والتفوق التكنولوجي المطلق كفيلان بحسم أي صراع. غير أن قراءة متأنية للصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، كما يقدّمها البروفيسور الصيني "جيانغ شيويه تشين"، تكشف مفارقة مغايرة. إذ ينطلق من معطيات موضوعية واقعية يملكها الطرفان المتحاربن؛ ويشرّح قدرات وميزات كلّ منهما، مظهرًا السلبيات والإيجابيات، والتي يصل من خلالها إلى قراءة أكثر وضوحًا. هذه الدراسة المشرّحة- إن صح التعبير- يقسّمها "تشين" إلى عدة محاور.

أولًا- "لاهوت التكنولوجيا".. الفخ الذكي والكسل الذهني

تُراهن واشنطن، اليوم، على ما يمكن تسميته بــ"لاهوت التكنولوجيا"؛ إيمان شبه مطلق بأنّ الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي يشكلان ضمانة نهائية للنصر. لكن هذا الرهان يخفي هشاشة قاتلة. يشرح البروفيسور ذلك في أربع نقاط جوهرية:

1. "متلازمة تايتانيك" التقنية.. التعقيد طريق للفناء؛ في الحروب التقليدية، كان تعطل دبابة يعني فقدان مدفع واحد. أما في "لاهوت التكنولوجيا" الأمريكي، فالجيش عبارة عن نظام بيئي متكامل (Ecosystem). هذا يسمى "الترابط القاتل"؛ فالأسلحة لا تعمل بشكل منفصل؛ تحتاج إلى خوارزمية التشفير؛ يعني أن كسر حلقة واحدة في السلسلة يؤدي إلى انهيار تسلسلي (Cascading Failure)؛ في حين العدو الإيراني يقود "جرارًا زراعيًا" خشنًا يسير في الوحل والرمال والجبال.

2. بين "العمى الاستراتيجي" والكسل الذهني احتضار الغريزة البشرية؛ هذا هو الجانب الأخطر الذي أشار إليه البروفيسور. هو الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة (Big Data) الذي حوّل القادة العسكريين إلى "مديرين" بدلًا من "محاربين"، ويسميه "موت الارتجال"؛ أي الجندي الذي يتدرب على أن "الخريطة الرقمية" هي الحقيقة المطلقة، سيتجمد مكانه إذا انقطع البث؛ لقد فقدت القيادة الأمريكية "غريزة الصياد" التي تعتمد على الحدس وقراءة الميدان بالعين المجردة. كما أن  العدو الأضعف يدرك أن أمريكا "تُدمن" البيانات، فيقوم بتغذيتها بـ "ضجيج إلكتروني" أو معلومات مضللة (Spoofing). وبسبب الكسل الذهني، تصدق المنظومة التكنولوجية الخديعة فتتخذ القرارات بناءً على واقع افتراضي صنعه العدو.

3. "الأسلحة الغبية" (Dumb Tech): يقصد بها البروفيسور عبقرية البساطة؛ مثل الدرونات الانتحارية الرخيصة؛ هي في جوهرها "محرك دراجة نارية مع متفجرات". لا تحتاج إلى أقمار صناعية معقدة، حيث تطير بارتفاع منخفض يربك الرادارات المليارية. هنا تسقط معادلة القوة؛ فعندما تطلق إيران سربًا بـ 20 ألف دولار، تضطر أمريكا لاستخدام صاروخ "باتريوت" بـ 3 ملايين دولار لإسقاطه. هذا ليس دفاعًا، هذا انتحار اقتصادي. كما أن استخدام "سعاة البريد" أو الرسائل الورقية أو شبكات الاتصال السلكية القديمة يجعل "وكالة الأمن القومي" (NSA) عمياء تمامًا؛ فالتكنولوجيا الأمريكية مصممة للتنصت على "الإشارات الرقمية"، فإذا غابت الإشارة، سقطت الهيمنة.

ثانيًا- استراتيجية "إدارة الفوضى" مقابل "نظام السيطرة"

فلسفة الإمبراطورية: تقوم على "النظام" (Order). كل شيء يجب أن يكون قابلًا للقياس والتنبؤ. بينما فلسفة الحرب بالنسبة إلى أمريكا "معادلة رياضية" يجب حلها، تقوم فلسفة إيران على "الفوضى" (Chaos)؛ فهي تعلم عدم قدرتها على تنظيم الميدان، فتقوم بـتفكيكه. عندما تخرج الحرب عن السيطرة وتتحول إلى اشتباكات صغيرة مبعثرة وغير مترابطة، تفقد "غرفة العمليات المركزية" في واشنطن قيمتها. في الفوضى. هذا بيروقراطية.. يطرح البروفيسور مفهوم "فرط إنتاج النخبة" (Elite Overproduction)؛ حيث يزداد عدد الطامحين للسلطة عن المواقع المتاحة، فتبدأ في تقويض بعضها البعض. هذا يجعل القرار العسكري الأمريكي بطيئًا ورهينًا للتوازنات الحزبية، في حين يمتلك العدو "سيولة" في القرار تسمح للمقاتل الميداني المبادرة من دون انتظار إذن من سلسلة قيادة معقدة.

يقول البروفيسور "تشين" إن "لاهوت التكنولوجيا" حوّل أمريكا إلى عملاق يرتدي درعًا من الزجاج المعشق؛ يبدو مذهلًا ومرعبًا، لكن رمية حجر واحدة من "سلاح غبي" في الزاوية الحرجة كفيلة بتحويل هذا الدرع إلى شظايا تعيق العملاق نفسه عن الحركة. الرهان الإيراني هو ببساطة: انتظار اللحظة التي تنطفئ فيها الشاشات الأمريكية، ليبدأ القتال الحقيقي. يضيف "تشين" اقتصاد الاستنزاف و"وهم الدولار"؛ بأن المال يشتري النصر، لكنه يؤكد أن الدولار يشتري "الولاء المؤقت"؛ في لحظة الاختبار، ينسحب المرتزقة وتصمد القناعات.

ثالثًا- إيران قوة "السيولة" في مواجهة "الصلابة"

في هذا المحور، يغوص البروفيسور "تشين" في ما هو أعمق من السلاح؛ إنه يحلل "كيمياء البقاء" في الدولة الإيرانية، موضحًا كيف استطاعت تحويل نقاط ضعفها التقليدية إلى "قوة سيولة" (Fluid Power) يصعب على المطرقة الأمريكية الصلبة سحقها، وذلك للركائز الثلاث والمفارقة الكامنة في "بذور الانهيار":

1. الطاقة (Energy): الروح وقود جيوسياسي؛ يرى البروفيسور أن القوة في "الإنسان"؛ فهو من يحرّك "برميل النفط"، لا العكس. بالنسبة إلى الأمريكي، الحرب هي "نزهة تكنولوجية" أو "مهمة وظيفية"؛ لكن الإيراني يراها مستمدة من عقيدة "كربلاء"؛ أي أن المعاناة والشهادة ليست هزيمة، هي نصر أخلاقي. هذه "الطاقة النفسية" تجعل المجتمع قادرًا على تحمّل حصار اقتصادي يفكك أعتى الإمبراطوريات؛ فالحرمان يعيد للإيراني تعريف هويته، ليكون مقاومًا من نوع مختلف، هذه الطاقة هي التي تملأ الفراغ الناتج عن نقص المعدات المتطورة.

2. الانفتاح (Openness): عبقرية الابتكار خارج الصندوق، الانفتاح هنا تعني المرونة المعرفية في مواجهة الحصار؛ بما أن إيران ممنوعة من شراء الطائرات، فقد انفتحت على "ثورة المسيّرات" الرخيصة. البروفيسور يشير إلى أن إيران "تتعلم بسرعة"؛ فهي تأخذ التكنولوجيا الغربية التي تسقط في يدها وتفككها، وتعيد إنتاجها بـ"عقلية الحاجة"، ما يخلق سلاحًا فعالًا بـ1% من كلفة السلاح الأمريكي.

3. التماسك (Cohesion): القلعة التي تُبنى من الداخل؛ يحلل "تشين" سياسة إيران البيولوجيا، واصفًا إياها بالكيان الذي يصارع ليبقى "سائلًا" في بيئة دولية تحاول "تجميده" بالعقوبات أو "تبخيره" بالحروب. يشرح البروفيسور أن أمريكا اعتادت إسقاط الأنظمة عبر "النماذج الجاهزة" (الاحتجاجات المدنية أو الثورات الملونة والضغط الاقتصادي والانقلابات العسكرية)، لكن هذه الأدوات تصطدم في إيران بــ"وعي القلعة". إذ تدرك القاعدة الشعبية الصلبة، كما هي النخبة، أن إيران ليست "دولة عارضة"، هي استمرار لإمبراطورية عمرها آلاف السنين. هذا الوعي يحوّل النظام السياسي من مجرد "إدارة للحكم" إلى "حارس للتاريخ". كما أن الضغط الخارجي في نموذج إيران لا يكسر النظام وبحسب، أيضًا يخلق "فولاذ المقاومة"، ويعيد تشكيل الهوية الوطنية بشكل أكثر صلابة.

2. "فخ الهوية": من المركزية القوية إلى الأطراف المشتعلة؛ هنا يضع البروفيسور إصبعه على "الجرح القاتل". التماسك الذي يمنح طهران قوتها في "المركز" هو نفسه الذي قد يفجرها من "الأطراف" (كردستان، بلوشستان، خوزستان)؛ وهذه مسألة تعمل عليها الولايات المتحدة؛ فالنصر الإيراني، بحسب تشين، مرهون بقدرة النظام على إبقاء "قنوات السيولة" مفتوحة مع الشعب؛ وهذا ما يحدث فعليًا؛ فمطالبه تحتضنها الدولة والنظام وتدافع عنها. شرائح إيرانية واسعة تدرك أن سقوط نظام الجمهورية يعني ضياع إيران" الدولة والتاريخ. هذا الشعور بالخطر الوجودي يمنع حدوث "انقلابات" أو "ثورات ملونة" ناجحة تقلب النظام.

رابعًا- اللحظة الأخطر

في هذا المحور، يرفع البروفيسور "تشين" النقاش من مستوى "صراع المصالح" إلى الصراع الديني محذرًا من أن اللحظة التي يتوقف فيها القادة عن قراءة التقارير الاستخباراتية ليبدؤوا في قراءة "كتب النبوءات"، هي اللحظة التي يدخل فيها العالم منطقة العاصفة الكاملة. يشرح أن الموت هنا ليس رقمًا في فاتورة الخسائر، هو "شهادة" أو "تضحية مقدسة" تعجل بالنصر الإلهي. يُنظر إلى الحرب هنا عملية "غسيل كوني" ضرورية لتنقية الأرض من "الشر" (الطرف الآخر) تمهيدًا لظهور المخلص. يشير التحليل إلى وجود تيار مؤثر في دوائر صنع القرار الأمريكي، لا سيما في أجنحة معينة من اليمين المحافظ، يؤمن بـ "التدبير الإلهي" (Dispensationalism). هؤلاء بقدر ما يحركون الأساطيل لحماية النفط يعتقدون أن تأجيج الصراع في غرب آسيا (الشرق الأوسط)، وبالتحديد ضد إيران/فارس، هو "شرط مسبق" لعودة المسيح الثانية. بالنسبة إلى هذا التيار، الفشل الدبلوماسي ليس مشكلة، حتى إنه "بشارة"؛ لأن السلام العالمي في نظرهم لن يتحقق إلا بعد "الملحمة الكبرى". هذا الوعي يجعل الدبلوماسية مجرد "تضييع للوقت" أو ستارة دخان لمعركة حتمية. على الجانب الآخر؛ تمتلك إيران عقيدة مقابلة تمنحها صلابة استثنائية في مواجهة الحصار. عقيدة الإمام المهدي في المنظور الإيراني الشيعي تحولت من "انتظار سلبي" إلى "انتظار نشط"؛ أي أن إقامة "دولة العدل" ومواجهة "الاستكبار العالمي" (أمريكا) هي المهاد الضروري لظهور المخلص؛ حينها التهديد بالدمار الشامل لا يخيف من يعتقد أن الدمار هو "مخاض" لولادة عالم جديد وأكثر عدلًا.

ختامًا.. الحرب الحقيقية هي معركة السيطرة على الوعي

في ذروة فلسفية، يخلص البروفيسور، كما بدأ، إلى أن الحرب الحقيقية هي السيطرة على "الإدراك"، وليس على الأرض. من يوجه وعي الجماهير يحدد شكل الواقع. السرديات والإعلام هي أدوات في معركة غير مرئية للسيطرة على العقول. النصر في هذا العصر لا يُقاس بالمدن المحتلة، إنما بمدى نجاحك في حماية عقلك من أن يُعاد تشكيله بواسطة "بروباغندا" الإمبراطورية.

التاريخ يكرر منطقه: الإمبراطوريات تنهار؛ لأنها تفقد قدرتها على التكيف ورؤية حدودها في مواجهة خصم أو عدو "سائل" ومستعد لتحمّل الألم، فتتحول أسلحة الإمبراطورية إلى أثقال تجذبها نحو القاع. السؤال النهائي: "من يستطيع النجاة بوعيه من الاختراق؟ لا من يملك السلاح الأقوى.. قد لا يكون المنتصر هو من يطلق الرصاصة الأخيرة، إنما من ينجو من "الواقع الزائف" الذي تفرضه القوة العظمى.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد