محمد فضل الله/جريدة الأخبار
هناك مؤسسات معنيّة بإنتاج هوية ما، يمكن تسميتها إستابلشمنت الجماعة أو الهوية. القول إنّ هناك أشخاصاً من هذه الجماعة مختلفين ولا يجوز «التعميم» لا قيمة له فعلياً، السؤال هو عمّا إذا كان هؤلاء موجودين في الإستابلشمنت أم لا. لذلك، فإنّ التعويل على أنّ اليهود الأميركيين يتغيّرون وهم مختلفون عن الجيل القديم وجمْع استطلاعات الرأي التي تُشير إلى أنّ نسباً مرتفعة منهم يَرفضون الصهيونية أو النهج الإبادي لإسرائيل، ستكون نتيجته انتظاراً أبدياً ليس إلا.
إستابلشمنت اليهود الأميركيين ليستْ فقط صهيونية بل هي تَدفع إسرائيل باتجاه الإبادة وهي تضع لها الإطار السياسي الذي يَجعلها ممكنة. وكل يهودي أميركي «متحرّر» من أوهام الصهيونية حين يسعى إلى أن يصبح جزءاً من الإستابلشمنت فإنه سوف يَخضع لمجموعة من الضغوط إلى أن يصبح مطابقاً تماماً لما تريده مجموعة هذه المؤسسات (زوهران ممداني يجب أن يكون درساً لكلّ مَنْ يعوّل على تحوّلات أخلاقية في الحاضرة الإمبريالية، وهو المسلم الشيعي، فما بالك باليهودي).
لا يَعني ذلك أن اليهود الأميركيين كانوا على هذه الشاكلة وسيبقون هكذا إلى الأبد، كل ما هنالك هو أنه حين نسعى إلى تغييرٍ ما، علينا العمل ضمن منطق الإستابلشمنت وإعادة صياغته وليس ضمن منطق الوعظ الأخلاقي (تقريباً السياسة وصراعاتها في الولايات المتحدة أصبحت عبارة عن مزاعم أخلاقية متلاطمة، اليساري فيها يزايد على اليميني في التبلّد والانمحاء المنهجي، طبعاً عبارة «يساري» في الولايات المتحدة تُطلَق وتُنسَب جزافاً).
في لبنان، هناك إستابلشمنت ماروني (كما جميع الهويات)، ولكن قلّما تطرّق أحدٌ إلى هذه المؤسسات، وهذا أحد أسباب جعْل فكرة المقاومة المارونية ضد إسرائيل تبدو غريبةً وعابرة إعلامياً. الجنرال ميشال عون خلق اتجاهاً تاريخياً جديداً ضمن المارونية السياسية وليس من خارجها، ولكن سلسلة من الأخطاء غير المبرّرة من قِبَل التيار الوطني الحر وحزب الله أدّتْ في نهاية المطاف إلى قتْل هذا الاتجاه والعودة إلى «ديفولت» فاشيّ، لا يعبّر عن الشارع الماروني بقدر ما يعبّر عن فقدان السردية الاستراتيجية داخل الإستابلشمنت الماروني.
أهم فعل مقاوم ضد إسرائيل يمكن أن يَشرع به الموارنة هو المجيء إلى أميركا اللاتينية (أو الولايات المتحدة) وتعليم اللغة الآرامية، لغة المسيح التي تحدّثها مع الله، مع والدته، ومع حواريّيه. إسرائيل خطر على الموارنة قبل أن تكون خطراً على الشيعة (أو المسلمين).
حين تَدرس انتشار الكنيسة الإنجيلية في أميركا اللاتينية، ستَكتشف حجم الجهد الذي تَبذله إسرائيل لمحو أي أثر للكنائس المشرقية، المارونية بشكل خاص، لما لها من محورية في خلْق الكيان اللبناني. تَرغب إسرائيل في إيهام الإنجيليين بأن المسيح كان يهودياً يتحدّث العبرية، وتسعى إلى طمْس كون لغته كانت الآرامية (غرابة اللغات السامية وقِدَمها تَخلق لدى السامع اللاتيني شعوراً ما بالانتماء إلى عالم ما ورائي؛ في أحد الفيديوهات تَدخل ميشيل بولسنارو زوجة الرئيس الأرجنتيني السابق جايير بولسنارو في حالة روحية تَجعلها تتحدّث بلغة غير مفهومة «speaking in tongues»، واللغات السامية تُعطيهم هذا الشعور الروحاني).
يمكن للكنيسة المارونية أن تُسدي خدمة تاريخية للكنيسة الكاثوليكية بكبْح الطوفان الإنجيلي في أميركا اللاتينية، التي «كانت» قلعة الكاثوليكية يوماً ما
تريد إسرائيل من خلال الكنيسة الإنجيلية أن تَقول إن المسيحية هي ديانة يهودية انتقلتْ من القدس إلى أوروبا، دون المرور بالمشرق، من أجل خلْق أوهام «يهودية-مسيحية» عند أتباع الكنيسة تَختلط مع أوهام المركزية الأوروبية، ويُفضّل ألّا يكون هناك أي أثر للكنائس المشرقية، لأنها مصدر إرباك للمشروع الصهيوني، بالذات الكنائس المشرقية التي تَنطق بلغة سامية، وبالتحديد الآرامية ولهجاتها المختلفة.
لذلك، فإنّ الكنيسة الرومية (أرثوذكسية كانت أم كاثوليكية) أقل خطراً وجودياً على إسرائيل، والأخيرة قد لا تَنظر إليهم باعتبارهم خطراً. بلا شك الروم أكثر تعقيداً حضارياً، وفي الصراع بين جعجع والصحناوي، العقل يميل إلى الروم وحضارتهم وتعقيدهم، لكنّ القلب يميل إلى الموارنة، الثلاثية الريفية في لبنان، الشيعة والموارنة والدروز (أتمنّى لو يتعلّم الشيعة والموارنة المرونة الدرزية في السرد التاريخي رغم كونهم ريفيين أيضاً، ولكن طبعاً إسرائيل اليوم تفكّك هذه الدينامية التاريخية الدرزية).
لذلك، حين لم تتخذ «القوات اللبنانية» موقفاً حاداً من الاعتداء الإسرائيلي الذي قتل أحد مسؤوليها في عين سعادة، كان هناك نقص واضح في الكرامة التي هي عنصر أساسي في المفاهيم الريفية (في النهاية نحن لسنا روماً أو سنّة مدينيين، الإستابلشمنت الخاصة بنا ليست مدينية بالتأكيد)؛ لو كان الأمين العام لحزب الله نفسه موجوداً في المبنى لما كنتُ أقبل أن يُقتَل قواتي ماروني بهذه الطريقة، لكنّ هناك تدهوراً واضحاً في الكرامة لدى «القوات» وهو ما سيؤثّر سلباً لاحقاً في حاضنتها المارونية.
التعاطي القواتي الجبان مع موضوع تحطيم الجندي الإسرائيلي لتمثال السيد المسيح؛ أنت هنا تقلّل من اعتبار هويتك وصمتك ليس حنكة سياسية. يعيش المسيحيون في ظل الاحتلال الإسرائيلي حرفياً كأهل ذمّة، يُسمَح لهم بالتعبُّد دون حقوق متساوية في المواطنة، وبدل أن يطالب بأن تكون القدس مسيحية، لا يهودية ولا إسلامية، فإنه يتنعّم بحياة أهل الذمة في القرن الواحد والعشرين. إذا كانت إسرائيل تزعم أنها حضارة يهودية-مسيحية، فلماذا لا تكون القدس (وفلسطين) دولة يهودية-مسيحية (طبعاً باعتبارك حفيد الصليبيين عليك أن تطالب بالقدس مدينة مسيحية حصراً)؟ أي مزيج من الشعارات الفاشية مع ذلّ التبعية. الصحناوي روميٌّ يتعامل مع الأحداث بطريقة مختلفة عن الماروني، وفي جريمة عين سعادة لم تتعامل «القوات» كحزب ماروني (لا هو حافظ على مارونيته ولا هو عرف كيف يتعاطى السياسة بطريقة الروم).
المهم أنّ الإنجيليين هنا في أميركا اللاتينية هم حرفياً مهووسون باليهود وإسرائيل، وعلى الأرجح فإنّ الأمر نفسه في الولايات المتحدة، لكن في حالة الأخيرة هناك معاداة للسامية متأصّلة تطلّ برأسها كل فترة، أمّا في أميركا اللاتينية فالأمر أقلّ سوءاً من هذه الناحية. لدى واعظيهم هوس في البحث عن امرأة يهودية يتزوّجونها لينجبوا منها أطفالاً يهوداً. الإنجيليون يريدون أن يصبحوا يهوداً (شعب الله المختار) بعبادة رجل يهودي (المسيح)، وبالتالي عبادتهم للمسيح هي ثانوية وليس المحور (طبعاً هم يَحتكرون لقب «المسيحيين»، حين تقول «كريستيانو» هنا تَعني أنك إنجيلي ولستَ كاثوليكياً)؛ بنى الإنجيليون في ساو باولو «معبد سليمان» (لا علاقة لعمارته بالكنائس المسيحية لا من قريب ولا من بعيد، وهو مليء بالشمعدانات اليهودية وليس بالصلبان).
يمكن للكنيسة المارونية أن تُسدي خدمة تاريخية للكنيسة الكاثوليكية بكبْح الطوفان الإنجيلي في أميركا اللاتينية، التي «كانت» قلعة الكاثوليكية يوماً ما. تعليم الموارنة للغة الآرامية هنا هو إنقاذٌ للكنيسة الكاثوليكية من ناحية ومقاومة استراتيجية ضد المشروع الإسرائيلي لمحو الكنائس السامية.
بالمناسبة، ماذا حصل للخطاب الوطني الفينيقي؟ في ظل الخطاب الإمبريالي الحالي فإنّ العلمنة والدولة-الأمّة أصبحتا من مخلّفات الماضي، ولذلك أَكتب هذا النص تماشياً مع «روح المرحلة»، أن تقاوم من داخل البُنى الراهنة للسلطة الإمبريالية. تعليم الآرامية ضروري أيضاً لاستعادة الفينيقية السياسية، ليس كمشروع ماضوي يَنتمي إلى القرن العشرين بل كمشروع يَفتح آفاقاً مستقبلية من خلال مراجعة عناصر من الماضي؛ التحوّل كعودة.
ما يَجعل الإستابلشمنت الماروني أكثر ضياعاً اليوم هو أنّ الخطاب التاريخي الموالي للإمبريالية لم يعد يَقتصر عليهم؛ حين يهرول جعجع للانضمام إلى حلف ما غربي سيجد نواف سلام والمرعبي أمامه، وسيجد إسرائيل تَحمل راية حماية الدروز.
خطاب الثمانينيات لم يعد سارياً اليوم بالنسبة إلى الموارنة، ولكن ماذا تَفعل حين تكون الإستابلشمنت مُفلِسة سردياً. حتى مسألة فرنسا؛ فرنسا بحاجة إلى إنقاذ قبل الكنيسة الكاثوليكية حتى، فهناك محو إنكليزي لكل المُنجزات الفكرية الفرنسية (سنتحدّث في مقال لاحق عمّا يَجري للإرث الفرنسي في الولايات المتحدة. ملاحظة عابرة: حماية الإرث الثقافي الفرنسي هو إنقاذٌ لمفهوم الجامعة الذي يتعرّض لهجوم حزبي مزدوج في الولايات المتحدة). إذا كنتَ تَعتبر نفسك معنياً بفرنسا وثقافتها، فإنّ مقاومة الإمبريالية الأميركية وأداتها المحلية إسرائيل هي أولوية.
في موضوع اللغة الآرامية، في موضوع الكنيسة الكاثوليكية، في موضوع فرنسا، في موضوع الفكرة الفينيقية، السؤال الملحّ، ماذا تَفعل الإستابلشمنت المارونية؟