الجنوب يستعيد أبناءه... شوق أقوى من الخوف

post-img

زينب حمود (صحيفة الأخبار)

بين فجر الثاني من آذار وفجر 15 نيسان، حكاية نزوح أليمة عاشها أبناء الجنوب، تخللتها خيبات أمل متكررة بوقف إطلاق للنار لم يُترجم على الأرض.

عند جسر القاسمية، كانت أعلام إيران وحزب الله وحركة أمل تستقبل مئات العائدين إلى قراهم. ومع تقدّم ساعات النهار، ازدادت حركة السير كثافةً، وسُجّل اختناق مروري على الطرقات المؤدية إلى القرى الجنوبية، ما دفع شباناً في برج الشمالي إلى توزيع المياه والوجبات الخفيفة على العائلات العائدة.

في كل مرة يعود فيها الجنوبيون إلى أرضهم، تتجدّد مشاعر يصعب وصفها. تنبعث من السيارات أناشيد المقاومة والنصر، ويطلّ الأطفال برؤوسهم من النوافذ بلهفة، فيما تحصي النساء دقائق الطريق بحماسة، ويتمنى الرجال لو أن سياراتهم تختصر المسافات وتحطّ مباشرة في قراهم.

تقول آية، متحدثة عن والدها أبو حسين: «لم يعد يحتمل النزوح». فقد توجّه إلى بلدته عربصاليم قبل العاشرة صباحاً، مدفوعاً بشوقٍ أكبر من أن يؤجَّل يوماً إضافياً. تحاول آية انتزاع بعض الكلمات منه عن حال المنزل والبلدة، لكنها لا تنجح، لأن الرجل، كما تقول والدتها، «منذ وصوله وهو يتفقد الأشجار». وتضيف: «عندما وصلنا كانت الحارة شبه خالية، لكنها سرعان ما امتلأت بالسكان بعد ساعات قليلة».

مشهد الخراب يصعب وصفه. ويقول حسين سرور، بعد جولة بين صور والمساكن الشعبية وبرج الشمالي والحوش، إن «حجم الدمار يحرق القلب». ففي مدينة صور، بقيت غالبية المحال التجارية مقفلة، باستثناء عدد قليل من متاجر «الإكسبرس» التي لم تتوقف عن العمل حتى في ذروة الحرب، وبعض محال السوبرماركت.

غادر حسين الجنوب بعد أن ألقى العدو قنابل قرب مفرق المنصوري، منهياً جولة خصصها لـ«أخذ جرعة من رائحة الجنوب». صحيح أن الرجل الستّيني زار صور أكثر من مرة خلال الحرب لتوزيع الخبز على الصامدين، انطلاقاً من قناعته بأن «الشباب يقاتلون، وأنا أقاوم بالطريقة التي أستطيعها»، إلا أنه شعر في هذه الزيارة الأخيرة بشيء مختلف: «نفسيتي مرتاحة، وقلبي يدقّ بانتظام».

وتبدو مشاعر العائدين متناقضة: سعادة تكشفها لمعة العيون، وغصّة ثقيلة لا يغيب أثرها عن أحاديثهم. في كفةٍ يقف الدمار الذي طاول القرى والمنازل والأرزاق والأراضي الزراعية، وفي الكفة الأخرى الشهداء الذين تركوا غياباً لا يمكن تعويضه. ففي كل سيارة عائدة، شهيد في صورة تحتضنها أمّ أو زوجة أو ابنة.

في طريقها إلى كفرصير، تتحدث سكينة إبراهيم عن «مشاعر جميلة ممزوجة بالفخر والانتصار»، مدركة أن «مشاهد دمار غير مسبوقة تنتظرنا». لكن ما يؤلمها أكثر أن «هذه الفرحة تبقى ناقصة، لأن كثيرين من الشهداء الذين فقدناهم كانوا سيقفون اليوم على مدخل كفرصير لاستقبالنا لو أنهم لا يزالون أحياء».

أبسط التفاصيل تُشعر العائدين بأنهم استعادوا جزءاً من حياتهم التي سلبتها الحرب، أول أذان يُرفع في السلطانية بعد العودة، و«جمعة» عائلية تحت شجرة الجوز، وزيارة المقابر لمسح الغبار عن شواهدها، كلها لحظات تختصر معنى العودة. فرحة لا تعكّر صفوها حتى أصوات المسيّرات التي لا تغادر السماء، بل تزيد أصحابها امتناناً لمن كان له دور في إعادتهم إلى أرضهم.

كثيرون تفقدوا منازلهم المتضررة، باحثين عن غرفة واحدة لا تزال صامدة ليقضوا فيها ليلتهم الأولى. هكذا فعلت سكينة، التي سبقها والدها إلى المنزل وأبلغها بأن «البيت صالح للسكن»، فشدّت الرحال من دون أن تسأل عن التفاصيل.

ولا تبدو المخاطر الأمنية المستمرة، ولا حجم الدمار الذي طاول المنازل والبنى التحتية، كافية لثني الجنوبيين عن العودة. وهذا أيضاً حال أبناء قرى الحافة الأمامية الذين ينتظرون انسحاب الاحتلال من أراضيهم بفارغ الصبر، وتزداد حماستهم كلما شاهدوا أبناء قرى شمال الليطاني يعودون إلى بلداتهم. وهم يدركون أنهم قد لا يجدون منازل أو محال أو مدارس أو حتى مقابرهم على حالها. تقول سارة، التي هجّرتها الحرب عن ميس الجبل: «يكفيني هواء ميس الجبل وترابها وماؤها». تشتاق إلى سماع تكبيرات العيد في قريتها، وتحلم باستمرار بأن منزلها لم يُهدم، وأن الألعاب التي تركتها لابنتها لا تزال في غرفتها كما هي. تؤكد أنها ستعود قريباً إلى بلدتها، وستبني «ولو غرفة واحدة»، لتبدأ منها حياة جديدة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد