هل بدأ الرئيس بمراجعة حساباته؟

post-img

عبد الله م. بدوي (صحيفة الأخبار)

لم يعد رئيس الجمهورية جوزف عون يتحرّك في مساحة سياسية مريحة. فالرجل يقف اليوم بين مطرقة العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان، وسندان التفاوض الذي ترعاه واشنطن وتضغط من خلاله لإعادة رسم قواعد اللعبة في الجنوب. وبين هذين الحدّين، يبدو خطاب الرئيس آخذاً في التحوّل من لغة الحسم السريع إلى لغة الشروط المتدرجة، ومن منطق بسط سلطة الدولة بوصفه قراراً داخلياً صرفاً، إلى مقاربة تربط هذا الهدف بانسحاب إسرائيل، وتثبيت وقف إطلاق النار، وعودة الأهالي، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي.

في الشكل، لم يتراجع عون عن مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة. بل على العكس، أعاد التأكيد أن لا دولة مكتملة السيادة إذا بقي السلاح خارج إطار السلطة الشرعية. غير أن الجديد ليس في المبدأ، بل في ترتيب الأولويات. فالرئيس لم يعد يقدّم ملف سلاح حزب الله بوصفه مدخلاً أولياً للحل، بل صار يضعه في سياق أوسع يبدأ من وقف الاعتداءات الإسرائيلية، ويمرّ بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، ويصل إلى تمكين الجيش اللبناني من الانتشار حتى الحدود الدولية المعترف بها.

هذا التحوّل ليس تفصيلاً. فهو يعكس إدراكاً متزايداً بأن الضغط العسكري الإسرائيلي لا ينتج دولة قوية، بل قد ينتج مزيداً من الانقسام الداخلي. كما أن أي محاولة لفرض وقائع سياسية كبرى تحت النار قد تجعل الرئاسة تبدو وكأنها تتحرك تحت الإملاء الخارجي، لا انطلاقاً من توازن وطني جامع. لذلك بدا عون، في خطابه الأخير، أكثر حرصاً على القول إن بسط سلطة الدولة لا يتحقق عبر عزل مكوّن داخلي أو كسره، بل عبر نزع الذرائع التي تمنح السلاح خارج الدولة مبررات بقائه.

من هنا يمكن فهم عبارته المركزية: «إن انسحاب إسرائيل يمكّن لبنان من بسط سلطته وإنهاء المظاهر المسلحة وسحب أي مبرر لبقاء سلاح غير سلاح السلطة الشرعية». هذه العبارة تحمل مراجعة سياسية واضحة. فهي لا تسقط مطلب الدولة، لكنها تنقله من خانة الاشتباك الداخلي المباشر إلى خانة التسوية المركبة. بمعنى آخر، لم يعد السؤال عند الرئيس: كيف ننزع السلاح؟ بل صار: كيف نخلق الشروط التي تجعل بقاء السلاح خارج الدولة بلا وظيفة ولا حجة ولا غطاء شعبي؟

لكن المأزق أن واشنطن، بحسب ما يرى دبلوماسي أوروبي، لا تبدو وسيطاً محايداً بقدر ما تبدو شريكاً في محاولة استثمار الضغط العسكري الإسرائيلي. فالمفاوضات لا تدور فقط حول هدنة أو ترتيبات أمنية مؤقتة، بل حول مستقبل الجنوب، ودور الجيش، وآلية الانسحاب، وحدود المقاومة، وشكل العلاقة المقبلة بين الدولة وحزب الله. وهذا ما يجعل عون في موقع بالغ الحساسية: فهو مطالب من الخارج بخطوات سريعة في ملف السلاح، ومطالب من الداخل بعدم تحويل الدولة إلى أداة ضغط على جزء من اللبنانيين، ومطالب في الوقت نفسه بحماية لبنان من حرب أوسع.

لذلك قد لا يكون ما يجري تراجعاً بالمعنى السلبي، بل مراجعة حسابات فرضتها الوقائع. فقد اكتشف الرئيس أن معادلة «حصرية السلاح» لا تكفي وحدها إذا بقيت إسرائيل تحتل وتعتدي، وأن شعار «بسط سلطة الدولة» يبقى ناقصاً إذا لم تُرفع اليد الإسرائيلية عن الحدود والقرى والنازحين. كما أن الجيش اللبناني، مهما اتسع دوره، لا يستطيع أن يكون بديلاً فعلياً في الجنوب إذا انتشر وسط النار، أو إذا طُلب منه أن يملأ فراغاً أمنياً قبل تثبيت ضمانات سياسية واضحة.

الأهم أن عون يحاول أن يوازن بين خطابين: خطاب الدولة الذي يطمئن الداخل والخارج إلى أن لبنان ليس دولة سائبة، وخطاب الواقعية الوطنية الذي يقول إن حلّ ملف السلاح لا يبدأ من الداخل وحده، بل من إنهاء الاحتلال والعدوان. وهنا يكمن جوهر المراجعة: الرئيس لا يتخلى عن مشروع الدولة، لكنه يبدو أكثر اقتناعاً بأن الدولة لا تُبنى فوق الركام، ولا تحت القصف، ولا بقرار خارجي يستعجل النتائج قبل أن يزيل أسباب الانفجار.

أما الحديث عن احتمال فتح قنوات مباشرة مع إيران، فيكشف بدوره أن بعبدا قد بدأت تبحث عن هوامش أوسع من الهامش الأميركي. فإذا كان جزء من العقدة اللبنانية مرتبطاً بتشابك الإقليمي بالمحلي، فإن مخاطبة طهران عبر الدولة لا عبر حزب الله تعني محاولة إعادة إدخال الملف إلى المؤسسات الرسمية. وهذه، إن حصلت، ستكون خطوة ذات دلالة: لا قطيعة مع واقع النفوذ الإيراني، ولا تسليم بأن حزب الله وحده هو بوابة هذا النفوذ.

من هنا، يبدو أن جوزف عون لا يراجع أصل قناعته بالدولة، بل يراجع طريق الوصول إليها. لقد أدرك أن العدوان الإسرائيلي لا يضعف حزب الله وحده، بل يضعف الدولة أيضاً إذا ظهرت عاجزة عن حماية أرضها. وأدرك كذلك أن التفاوض، إن لم يكن مسنوداً بوحدة داخلية وحد أدنى من التوازن، قد يتحول من فرصة لإنهاء الحرب إلى أداة لإعادة إنتاج الوصاية على القرار اللبناني.

بين مطرقة العدوان وسندان التفاوض، يحاول الرئيس أن يمسك العصا من وسطها: لا يريد أن يمنح السلاح شرعية دائمة، ولا يريد أن يمنح إسرائيل مكافأة سياسية تحت عنوان نزع السلاح. والسؤال اليوم لم يعد فقط: هل بدأ جوزف عون يراجع حساباته؟ بل: هل تسمح له موازين الداخل والخارج بأن يحوّل هذه المراجعة إلى سياسة وطنية متماسكة، تنهي العدوان أولاً، وتفتح بعد ذلك باب الدولة لبناء استراتيجية وطنية موحدة تستطيع ان تشكل مظلة حماية حقيقية للبنان الواحد الموحد،

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد