فاطمة خشاب درويش (صحيفة الأخبار)
لم يعد السؤال المطروح على المؤسسات التربوية اليوم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل إلى الصف، بل كيف سيدخل، ومن سيقود هذا التحول، والأهم: ماذا سيبقى للإنسان عندما تصبح الآلة قادرة على إنتاج النص والمعلومة والصورة والتحليل خلال ثوانٍ؟
من هذه الزاوية، اكتسب المؤتمر الذي نظمته جمعية المبرّات الخيرية تحت عنوان «المسار التحويلي للتربية والتعليم.. نحو إنسان رسالي» أهمية تتجاوز مناقشة الذكاء الاصطناعي أو المناهج الجديدة بوصفهما عنوانين راهنين. فقد حاول المؤتمر مقاربة التحول التربوي باعتباره تحولًا في وظيفة المؤسسة والمعلم والمتعلم معًا، وفي طبيعة العلاقة بين المعرفة والتقنية والإنسان.
ولعلّ ما يستوقف في هذا المؤتمر هو الحضور الواسع للكادر التعليمي والإداري من مختلف مؤسسات المبرّات. فهذا الحضور لا يمكن قراءته فقط باعتباره مشاركة في فعالية تربوية، بل باعتباره مؤشرًا إلى خيار مؤسسي يقوم على الاستثمار في الكادر البشري، وعلى اعتبار التدريب والتطوير جزءًا من الاستجابة للتحولات، لا خطوة ثانوية تأتي بعد دخول التكنولوجيا إلى المؤسسة.
وهنا تبرز الفكرة الأساسية التي حملتها كلمة رئيس جمعية المبرّات السيد علي فضل الله: التحول التربوي يبدأ من الإنسان الذي نريد بناءه. فالإنسان الرسالي، وفق الرؤية التي طرحها، ليس شخصًا يكتفي بتحصيل المعرفة أو بتحقيق مصلحته، بل إنسان يسأل عن مسؤوليته، وعن أثره، ويمتلك القدرة على التفكير والتمييز والاختيار، ويجمع بين العلم والأخلاق.
قد تبدو هذه الفكرة بعيدة للوهلة الأولى عن النقاش التقني حول الذكاء الاصطناعي، لكنها في الحقيقة تقع في صلبه. فكلما ازدادت قدرة الآلة على إنتاج المعرفة، ازدادت الحاجة إلى إنسان قادر على تقييم هذه المعرفة ومساءلتها والتحقق منها وتحديد كيفية استخدامها. وبالتالي، فإن التحدي التربوي لم يعد مجرد تعليم الطالب الوصول إلى المعلومة، بل تعليمه ماذا يفعل بها، وكيف يميز بين المعرفة والمعلومة المضللة، وبين الاستخدام المسؤول والاستخدام العشوائي للتكنولوجيا.
ومن هنا تكتسب دعوة رئيس الجمعية إلى أن تكون المؤسسات التربوية مساحات يتعلم فيها الطالب كيف يسأل ويحاور ويختلف باحترام ويتعلم من الخطأ، دلالة خاصة في العصر الرقمي. فالطالب الذي يحصل على إجابة جاهزة من أداة للذكاء الاصطناعي لا يكون قد تعلّم بالضرورة؛ التعلم الحقيقي يبدأ عندما يمتلك القدرة على مساءلة الإجابة، واختبارها، وبناء موقفه منها.
إذا كانت كلمة رئيس الجمعية قد رسمت البوصلة الفكرية لهذا التحول، فإن كلمة المدير العام لجمعية المبرّات الدكتور محمد باقر فضل الله قدمت الجانب المؤسسي والعملي لهذه الرؤية. فقد شدد على أن التحول لا يقتصر على تطوير المناهج والأدوات، وإنما يتطلب رؤية متكاملة تنعكس في الممارسة اليومية داخل المؤسسات.
وهنا تحديدًا تظهر إحدى أهم النقاط التي تستحق التوقف: لا يمكن أن تنجح عملية التحول التربوي إذا كان المعلم آخر من يجري إعداده لها.
فالانتقال إلى المناهج الجديدة، وفق ما طرحه المدير العام، يبدأ من الفهم قبل التطبيق، ويحتاج إلى رفع جاهزية المعلمين علميًا ومهنيًا، وهو ما يفسر أهمية التدريب التأسيسي الذي بدأت المبرّات بتنفيذه بالتعاون مع جامعة العلوم والآداب اللبنانية (USAL) والأمر نفسه ينطبق على الذكاء الاصطناعي: امتلاك الأدوات لا يعني امتلاك القدرة على استخدامها تربويًا.
الأكثر أهمية في هذا السياق أن الذكاء الاصطناعي لم يُطرح بوصفه بديلًا عن المعلم، بل أداة ينبغي أن يستخدمها لتعزيز البحث والتعلم، مع حماية التفكير المستقل والأمانة العلمية. وهذه نقطة جوهرية، لأن الخطر التربوي لا يكمن في استخدام التكنولوجيا بحد ذاته، بل في أن تتحول إلى اختصار للتفكير بدل أن تكون وسيلة لتطويره.
وفي هذا الإطار جاءت ندوة “إعادة هندسة التربية: الإنسان، التقنية، والأثر”، التي أدارها الدكتور ياسر فضل الله، وشارك فيها البروفيسور نعمة صفا، والبروفيسور كريستوفر ديدي، والدكتورة غنوة عيتاني، والدكتورة ليلى كاديوال، لتمنح النقاش بعدًا بحثيًا أكثر تخصصًا.
أهمية الندوة أنها لم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي من زاوية الأدوات فقط، بل ناقشت إعادة تشكيل هوية المعلم المهنية في عصر الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في الذات، والانتقال من الامتثال إلى الفاعلية، والمعرفة المسؤولة في مواجهة التحديات العالمية.
وبذلك، لم يعد السؤال: ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله؟ بل أصبح: ما الذي ينبغي للمعلم أن يفعله بهذه القدرة الجديدة؟
وهذا التحول في صياغة السؤال هو، في رأيي، من أهم ما خرج به المؤتمر. فالندوة لم تقدم مجرد عرض نظري لتحديات المرحلة، وإنما وضعت أمام المعلم مجموعة من الأسئلة التي تشكل، عمليًا، خريطة عمل جديدة: كيف يطور ذاته؟ كيف يعيد تعريف دوره؟ كيف يوظف الذكاء الاصطناعي في البحث والتعلم؟ وكيف يحافظ في الوقت نفسه على دوره الإنساني، وعلى التفاعل الواقعي، وعلى التعلم العاطفي والاجتماعي، وعلى اكتشاف مواهب الطلاب؟
كما أن الرؤية التي طُرحت حول الطالب تتجاوز مفهوم التفوق الأكاديمي التقليدي. فالمؤسسة التربوية، وفق ما طرحه رئيس الجمعية والمدير العام، لا يُفترض أن تبحث فقط عن الطالب المتفوق، بل عن الطالب الذي لم تُكتشف موهبته بعد، وأن تنظر إلى نجاح العملية التعليمية من خلال تطور المتعلم واستقلاليته وبلوغه أقصى إمكاناته.
وهذا يضع المؤسسات أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع أن تحول هذه الرؤية من خطاب إلى ممارسة يومية؟
فهنا تبدأ المسافة بين المؤتمر والصف. يمكن للمؤسسة أن تعلن تبني الذكاء الاصطناعي، وأن تطور مناهجها، وأن تنظم عشرات الدورات، لكن معيار التحول الحقيقي سيظهر في تفاصيل تبدو صغيرة: كيف يدخل المعلم إلى الصف؟ كيف يخاطب الطالب؟ هل يتيح له أن يسأل؟ هل يسمح له بالخطأ والتجربة؟ هل يعلمه التحقق من المعلومة؟ هل يستخدم التكنولوجيا لتوسيع التفكير أم لإلغاء الجهد العقلي؟
ومن هذه الزاوية، فإن المؤتمر يطرح تحديًا يتجاوز المبرّات نفسها إلى المشهد التربوي عمومًا. التكنولوجيا يمكن أن تتغير بسرعة، أما بناء الإنسان فهو مشروع طويل الأمد. ولذلك فإن الاستثمار في المعلم، وفي قدرته على التفكير النقدي، وفي وعيه الأخلاقي والمهني، قد يكون أهم من الاستثمار في أي أداة تقنية منفردة.
لقد نجحت المبرّات في وضع مجموعة من الملفات المتصلة ببعضها على طاولة واحدة: المناهج الجديدة، الذكاء الاصطناعي، هوية المعلم، الرعاية، اكتشاف المواهب، التعلم العاطفي والاجتماعي، والتحديات التي فرضتها الحرب. والقاسم المشترك بينها هو محاولة الانتقال من معالجة المشكلات بعد وقوعها إلى بناء قدرة مؤسسية استباقية على فهم التحولات والاستعداد لها.
لكن قيمة أي مؤتمر تحويلي لا تُقاس فقط بما قيل على منصته، بل بما سيحدث بعد انتهائه. فالتحدي الحقيقي يبدأ عندما تغادر الأفكار قاعة المؤتمر وتدخل الصف، وعندما يتحول التدريب إلى ممارسة، والمناهج إلى تجربة تعلم، والذكاء الاصطناعي إلى أداة مسؤولة، والقيم إلى سلوك يومي.
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يغيّر التعليم؟ فهذا التغيير بدأ بالفعل.
السؤال الأهم هو: هل نستطيع نحن أن نوجّه هذا التغيير بحيث يبقى الإنسان في مركز العملية التربوية؟
ففي عصر تستطيع فيه الآلة أن تنتج إجابة في ثوانٍ، تصبح مهمة المدرسة أكثر صعوبة وأهمية: أن تخرج إنسانًا لا يملك الإجابة فقط، بل يعرف كيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يميّز، وكيف يختار، وكيف يتحمل مسؤولية ما يفعل بما تعلّم.
وهنا تحديدًا يصبح «الإنسان الرسالي» أكثر من عنوان لمؤتمر؛ يصبح معيارًا يمكن من خلاله قياس معنى التحول التربوي نفسه.