حسين كوراني/ خاص موقع أوراق
في تصعيد كبير لحربه التجارية كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رسوم جمركية جديدة واسعة النطاق، على بعض الدول بدءاً بكندا والمكسيك والصين، قبل أن يعصف الطوفان بدول الاتحاد الأوروبي ودول أخرى بلغت أكثر من 200 دولة وجزيرة وإقليم، بما فيها 20 دولة عربية. إذ وصف ترامب ذلك بـ "يوم التحرير".
وكشف ترامب في مؤتمر صحفي، الأربعاء، بعنوان "استعادة ثراء أمريكا" بالبيت الأبيض، عن رسوم جمركية على معظم دول العالم، جاء أقلها بنسبة 10 في المئة كالضريبة على الواردات من المملكة المتحدة وغالبية الدول العربية.
وتباينت الرسوم على بقية الدول التي لها تعاملات اقتصادية كبيرة مع الولايات المتحدة، من بينها كمبوديا التي كان لها النصيب الأكبر من التعريفات التي بلغت 49 في المئة، وكذلك فيتنام بنسبة 46 في المئة، بما يزيد على الصين التي بلغت الرسوم المفروضة على بضائعها 34 في المئة.
كما أعلن الرئيس الأمريكي فرض تعريفة جمركية على السيارات المصنعة خارج الولايات المتحدة بنسبة 25 في المئة، ابتداءً من منتصف ليل 3 نيسان/أبريل بالتوقيت المحلي.
وتأتي القرارات الأمريكية الأخيرة في إطار مواجهة ما وصفه ترامب بالخلل التجاري غير العادل، في إشارة إلى حجم الاستيراد والتصدير في التجارة مع الولايات المتحدة، بالإضافة إلى مبدأ المعاملة بالمثل في إشارة إلى أن الدول المفروضة عليها تفرض هي الأخرى ضرائب مماثلة على البضائع الأمريكية الواردة إليها.
وأعرب ترامب عن تفاؤله بأن تؤدي التعريفات الجمركية الجديدة إلى "نهضة" صناعية أمريكية ووقف استغلال البلاد تجارياً، على حد قوله، ما يراه المحللون إيذاناً باشتعال حرب تجارية عالمية شاملة.
ما هي الدول المستهدفة؟
في البداية، ومنذ مطلع شباط/فبراير الماضي، أعلنت واشنطن عن جمارك حدودية داخل القارة الأمريكية الشمالية، حيث فُرضت رسوم جمركية على كندا في الشمال والمكسيك في الجنوب.
وشملت الرسوم جمهورية الصين، التي تعد المنافس الشرس للولايات المتحدة، والتي كان ترامب قد شملها في توعّده قبل تنصيبه رئيساً لولاية أمريكية ثانية، حيث قال آنذاك إن التعريفات الجمركية على كندا والمكسيك والصين ستكون أولويته منذ اليوم الأول له في المكتب البيضاوي.
ثم وضع ترامب الاتحاد الأوروبي في دائرة الضوء، حين قال إن الاتحاد الأوروبي يعامل واشنطن "بقسوة بالغة"، مشيراً إلى عجز تجاري أمريكي بقيمة 350 مليار دولار مع الاتحاد الأوروبي، وبناءً على ذلك فرضت عليهم تعريفات جمركية بنسبة 20 في المئة.
وتتمتع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأكبر علاقة تجارية في العالم، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما 1.6 تريليون يورو (1.7 تريليون دولار) من السلع والخدمات في عام 2023، أي ما يقرب من 30 في المئة من حجم التجارة العالمية.
كما فرضت الولايات المتحدة ضرائب على العديد من الدول الآسيوية كاليابان وفيتنام وماليزيا وإندونيسيا والهند وباكستان وتايلاند وتايوان.
وكان نصيب الكيان الصهيوني وتركيا بنسبة 17 في المئة و10 في المئة على التوالي، بالإضافة إلى ضرائب أخرى متباينة على البرازيل وجنوب أفريقيا وبريطانيا وكوريا الجنوبية وسويسرا.
ولم تخلُ القائمة الطويلة من الدول العربية، التي كان نصيب معظمها 10 في المئة من الضرائب الجمركية، بما يشمل مصر والسودان ولبنان واليمن والسعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين والمغرب وموريتانيا وعُمان وجزر القمر.
أما سوريا فجاء نصيبها بنسبة 41 في المئة، والعراق 39 في المئة، والأردن بنسبة 20 في المئة، في حين فرضت 28 في المئة على تونس، و30 في المئة على الجزائر، و31 في المئة على ليبيا.
الدول الأجنبية تتعهد بالرد
أعلنت عدة دول أنها سترد على رسوم ترامب الجمركية، وصرحت غرفة التجارة الدولية بوجود "خطر منهجي واضح على النظام التجاري العالمي" إذا بلغت التوترات التجارية ذروتها.
وأعلنت الصين واليابان وكوريا الجنوبية، الأحد، أنها سترد على الرسوم الجمركية الجديدة بخطوات متزامنة، وستُفرض على الدول الثلاث رسوم جمركية تزيد عن 20%.
وصرحت الرئيسة المكسيكية، كلوديا شينباوم، بأنها ستكشف عن خطة اقتصادية شاملة، الخميس، ردًا على رسوم ترامب الجمركية، والتي ستتضمن خطوات لحماية صناعة السيارات في البلاد.
وأعرب العديد من القادة الأوروبيين عن دعمهم بعد إعلان ترامب، وتعهدوا أيضًا بالرد بعد دراسة تأثير الرسوم الجمركية الجديدة على بلدانهم، ونشرت كارين كيلر-سوتر، رئيسة الاتحاد السويسري، على منصة إكس، أن مسؤولي البلاد "سيحددون الخطوات التالية بسرعة".
وبعد إعلان ترامب، قال رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، إن الرسوم الجمركية الجديدة "ستغير النظام التجاري الدولي بشكل جذري" وأننا "سنحارب هذه الرسوم الجمركية بإجراءات مضادة".
رسوم ترامب الجمركية تقفز بالذهب وتهوي بالنفط والدولار
ارتفع الذهب إلى مستوى قياسي خلال تعاملات اليوم وسط اندفاع المستثمرين نحو أصول الملاذ الآمن، بعد أن أعلن ترامب عن الرسوم الجمركية، وذلك قبل أن يتراجع مع الاتجاه لجني الأرباح. وارتفع الذهب في التعاملات الفورية إلى 3167.71 دولارًا للأوقية (الأونصة) وهو أعلى مستوى على الإطلاق، لكنه تراجع 0.18% إلى 3127.44 دولارا في أحدث تعاملات.
وفي أسواق النفط انخفضت أسعار الخام تحت ضغط الرسوم الجمركية، مما يثير مخاوف من اندلاع حرب تجارية عالمية قد تقوض الطلب على الخام جراء توقعات بانخفاض الإنتاج وتراجع النمو الاقتصادي. وهبطت العقود الآجلة لخام برنت 3.74% إلى 72.15 دولارا، في أحدث تعاملات، كما نزلت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 3.92% إلى 68.90 دولارا.
كما تراجع الدولار على نطاق واسع في تعاملات اليوم بينما صعد اليورو بعد إعلان الرسوم الجمركية، واندفاع المستثمرين إلى الملاذات الآمنة على غرار الين الياباني والفرنك السويسري.
وانخفض مؤشر الدولار -الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل 6 عملات عالمية- 2.18% إلى 101.55 نقطة وقت إعداد هذا التقرير.
وصعد اليورو عقب إعلانات الرسوم الجمركية، ووصل ارتفاعه في أحدث التعاملات بنسبة 1.75% عند 1.10 دولار، وارتفع الجنيه الإسترليني 1.34% إلى 1.31 دولار.
تغيير الخريطة التجارية العالمية
وفي السياق، يرى محمد أويس، الخبير الاقتصادي العالمي، أن الإمارات والسعودية والكويت ستكون الأشد تضرراً من القرارات الأمريكية، بحكم حجم تعاملاتها التجارية مع الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن الأمر يعتمد على ما إن كان القرار يشمل المنتجات النفطية أم لا، لا سيما وأن معظم تلك الدول تعتمد في صادراتها على البترول.
كما أن حجم الصادرات الأمريكية للدول العربية "صغير جداً إلى الدرجة التي لن تؤدي إلى "موجات تضخم عنيفة" داخل تلك الدول، وذلك بالمقارنة بالدول الأخرى، كالصين والاتحاد الأوروبي، التي تتمتع بتعاملات ضخمة مع الولايات المتحدة تشمل التكنولوجيا والسيارات.
ويتوقع الخبير الاقتصادي أن تؤدي القرارات الأمريكية إلى زيادة الشراكات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، رغم التوترات السياسية، لتكون بديلاً عن السوق الأمريكية، ما قد يفرض "اتفاقية تجارية جديدة على العالم أجمع"، ويتمخض عن "تغيير في شكل الخريطة التجارية والاقتصادية العالمية"، بما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى عزل الولايات المتحدة تجارياً.
ووصف أويس قرارات ترامب الأخيرة بأنها تشكل "لعبة في غاية الخطورة؛ فإما أن يفرض السيطرة الأمريكية بشكل كبير بما يُظهر قوة الولايات المتحدة أمام القوى العالمية، أو أن يفقد السيطرة الاقتصادية الأمريكية للأبد".