مصطفى عواضة/ صحافي لبناني
في مشهد تتداخل فيه الضغوط السياسية مع الانكشاف الاجتماعي والاقتصادي على لبنان، عادت الساحات لتقول كلمتها خارج حسابات السلطة وصمت المؤسسات. تحركات شعبية متفرقة في الجغرافيا، موحّدة في المعنى، أعادت طرح الأسئلة الكبرى عن: السيادة والمقاومة وكرامة الإنسان اللبناني.
شهدت العاصمة بيروت، في العام 2025، عددًا من التحركات الرمزية؛ منها تظاهرة عين المريسة في ذكرى "مجزرة البيجر" وتظاهرة الحمرا في ذكرى توقف العدوان الاسرائيلي 2024 رفضًا للاعتداءات الاسرائيلية على لبنان، كما نُظمت أيضًا قبل اسبوعين زيارة انطلقت من بيروت الى النبطية لمناسبة الأعياد دعمًا لصمود الجنوبيين.. وعدد آخر من التحركات؛ منها للحزب الشيوعي اللبناني ولعدد من قوى المجتمع المدني.
وفي قراءة تتجاوز الحدث إلى دلالاته العميقة، يشرح الإعلامي والمنظّم خليل حرب، في تصريح لموقع «أوراق»، كيف تحوّل التضامن مع الأسرى وجرحى البيجر ورفض التطبيع إلى مساحة التقاء وطني عابرة للطوائف والانقسامات، تكشف فشل الأداء الرسمي، وتؤكد أن الشارع اللبناني ما يزال قادرًا على إنتاج وعي جامع، يرى في المقاومة حقًا، وفي الصمت تواطؤًا، وفي التحرّك الشعبي فعل حماية للوطن قبل أن يكون مجرّد احتجاج.
قدّم خليل حرب رؤية مفصّلة عن التحركات الشعبية الأخيرة في لبنان، مسلطًا الضوء على دور المجتمع المدني في التعبير عن رفض التطبيع والتضامن مع المقاومة ودعم الأسرى وجرحى البيجر. تحليله يكشف أبعادًا اجتماعية وسياسية عميقة، ويظهر العلاقة العكسية بين الحراك الشعبي والسياسات الرسمية اللبنانية.
1. التحركات الشعبية تعبير عن وعي لبناني جماعي
أكد "حرب" أن التحركات التي بدأت، من مسيرات في بيروت مرورًا بمناطق الجنوب، تمثل صدى شعور شعبي بعدم القبول بالوضع القائم منذ وقف إطلاق النار، سواء على المستوى السياسي أم الاجتماعي أم المعيشي. لفت إلى أن المشاركة تخطت الانتماءات الطائفية والسياسية، حيث حضر أشخاص من خلفيات متنوعة، ومنهم من لم يسبق له الانخراط في نشاط سياسي، ما يعكس حالًا من الالتقاء الوطني في قضية إنسانية ووطنية عاجلة.
2. قضية الأسرى وجرحى البيجر: محور التحركات
أشار "حرب" إلى أن هذه التحركات جاءت ردًا على الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في الجنوب وطلبًا لتحرير الأسرى اللبنانيين. برأيه أن الحكومة لم تتخذ خطوات كافية لدعم هؤلاء أو تقديم التعويضات اللازمة لهم، ما جعل المبادرة الشعبية ضرورة للتعبير عن التضامن وإظهار عدم التسليم بالواقع المفروض.
كما شدد على أن القضية تتجاوز الانتماءات الحزبية، فهي قضية وطنية وإنسانية تمس كل لبناني، وتفرض على المجتمع المدني التحرك، حتى لو كانت الدولة غائبة أو مقصّرة في تأمين الحماية والحقوق.
3. رفض التطبيع وتسليم السلاح
تحدث "حرب" عن أن رفض التطبيع وتأكيد الاحتفاظ بسلاح المقاومة؛ كان أبرز أهداف هذه التحركات. وهو يرى أن السلاح ليس قضية حزبية، هو أداة أساسية للدفاع عن السيادة اللبنانية. في هذا السياق، يقول إن استمرار الصمت الرسمي والتخاذل الحكومي قد يشجع محاولات التطبيع التي تهدد الأمن الوطني والمقاومة، ما يجعل الحراك الشعبي ضرورة لضمان استمرار القدرة على الدفاع عن الحقوق والحدود.
4. الأداء الرسمي اللبناني.. في نقد حاد
انتقد "حرب" بشدة أداء الحكومة اللبنانية ومجلس النواب، مشيرًا إلى غياب المبادرة الفعلية لدعم المتضررين من العدوان الإسرائيلي، أو التعويض عن خسائر الحرب. كما بيّن أن السلطة غالبًا أبدت اهتمامًا بمستوطني إسرائيل أكثر من المواطنين اللبنانيين المتضررين، وهذا ما يعدّه سلوكًا مخزيًا ومهينًا. ويقول :" "مع الأسف؛ أداؤهم مخزٍ ومعيب"، وشدد على أن المواطن اللبناني غالبًا ما يجد نفسه مضطرًا للتحرك بنفسه لضمان حقوقه، سواء في بيروت أم في الجنوب أم في القرى النائية.

5. رمزية التحركات والأمل الوطني
أكد "حرب" أن هذه التحركات، على الرغم من رمزية بعضها، تمثل أملًا حقيقيًا في قدرة اللبنانيين على الالتقاء في القضايا الوطنية العاجلة، بصرف النظر عن الانتماءات السياسية أو الحزبية. إذ إن مشاركة أشخاص لم يسبق لهم النشاط السياسي، أو ممن لهم خلفيات مختلفة، تعكس إمكانات حقيقية لإعادة بناء الوعي الوطني والتضامن المجتمعي.
كما رأى أن هذه التحركات رسالة واضحة للإسرائيليين والمجتمع الدولي بأن اللبنانيين لن يقبلوا بالانتهاكات أو التطبيع على حساب حقوقهم وسيادتهم. من هنا، فإن الحراك الشعبي الذي يعيد طرح هذه القضايا معًا لا يعبّر فقط عن موقف احتجاجي، هو أيضًا يعبر عن وعي سياسي يرى أن المعركة اليوم هي معركة سردية ومعنى: هل يبقى لبنان بلدًا يرى في المقاومة حقًا وضرورة، أم يتحول إلى ساحة خاضعة لمنطق التسويات المفروضة؟
كذلك، إن الجدل في هذه الملفات، ليس جدلًا تقنيًا أو ظرفيًا، هو صراع على تعريف السيادة والكرامة الوطنية. إذ إن الدولة التي لا تعيد أسراها ولا تداوي جرحاها ولا تمتلك أدوات ردع فعّالة، تبقى دولة ناقصة السيادة مهما امتلكت من اعتراف دولي. في المقابل، فإن أي مشروع وطني مستقبلي في لبنان سيبقى هشًا ما لم يُجب بوضوح عن هذا السؤال المركزي: كيف يمكن حماية الوطن في عالم لا يحترم الضعفاء؟
هذا السؤال، بكل ثقله، هو ما يجعل هذه الملفات مترابطة، ويجعل النقاش فيها مفتوحًا، ومصيريًا، وغير قابل للتأجيل.