كمال القاضي/ القدس العربي
اجتهدت السينما الفلسطينية أيما اجتهاد في تسجيل وقائع الكارثة الإنسانية خلال أيام الحرب، وما بعدها، وبذل المُبدعون قُصارى جهدهم لتوصيل رسالة الشعب المُناضل إلى العالم، وقد لعب الفيلم التسجيلي دورًا بارزًا في هذا الخصوص، فرغم قلة الإمكانيات وصعوبة التحرك داخل بؤر الصراع نجح شباب المُبدعين في تصوير الواقع كما هو بلا تزييف أو تعتيم، فبدا المشهد كاملًا غير مُجتزأ ولا منقوص.
الحكاية المأساوية بكل فصولها وعناوينها ودلالاتها تم تسجيلها بكاميرا الموبايل، في فيلم هو الأحدث من حيث الإنتاج ومواطن الرصد وبلاغة السرد السينمائي، المُتميز بلغة لم تغب عنها التفاصيل المؤلمة، ولا صور المواجهة القوية للجوع والعطش والموت.
«بلا جُدران» عنوان واقعي لفيلم يُقدمه المخرج يوسف خطاب، كأول تجربة له في الإخراج السينمائي وباكورة إبداعه التسجيلي المهم، كوثيقة تاريخية بالصوت والصورة عن جبروت المُحتل الصهيوني، الذي حول كل ما هو أخطر ونابض في قطاع غزة، إلى مساحات يابسة وأطلال كانت حتى وقت قريب، بنايات شامخة تُحيطها ظلال الأشجار المُثمرة وتُدفئها أنفاس العائلات التي تقطنها قبل أن تصير خرابًا. إنها القسوة تتجلى معانيها في كل مشهد من مشاهد الفيلم، الذي يُشير عنوانه «بلا جُدران» إلى الخيام التي حلت محل البيوت، فبدت واقفة في ثبات تتحدى الزوابع والرياح والمطر، كأنها تُعلن تضامنها مع ساكنيها، وتُحاكي صمودهم الأسطوري في التحايل على أزمة الفناء التي تُهددهم، وتواجه في عناد هجمات القصف والاستهداف من البر والبحر والجو.
إنها صورة حياتية تنقلها السينما التسجيلية بصدق عبر سيناريو كُتب بعناية ودقه، وتوظيف ماهر للكاميرا الراصدة والمؤثرات الفنية، كالموسيقى والإضاءة، واستخدام ذكي أيضًا للظلام الذي حل بالمناطق كافة، في إشارة للأجواء المُقبضة والعتمة، التي أصبحت عنوانًا إضافيًا لمفردات الحصار المفروض بقوة السلاح ودعم الدول المُتحكمة في مصائر الشعوب. ربما تكون هي المرة الأولى التي يتصدى فيها مخرج لتصوير الداخل الفلسطيني منذ بداية حرب السابع من أكتوبر، حيث تجاسر يوسف خطاب وفريق العمل على اقتحام أخطر مناطق الاشتباك في دوائر اللهب، فقاد المُشاهد إلى عُمق العُمق، ليرى بأم عينيه واقعًا أشد قسوة غير الذي تصوره قنوات التلفزيون وفضائيات الإعلانات، ويُذاع في نشرات الأخبار فلم يكترث به أحد.
فمن خلال شخصية البطل عصام أبو شالة، وصوت الراوي، نتعرف على مسيرة التعليم المتواصلة بوسائل غاية في البساطة، سبورة مُثبتة فوق الأطلال، ومقاعد إسمنتية صُنعت من تراب الأرض المحروقة، وغلالات رقيقة تقوم مقام الفصول، لكنها لا تحمي الصغار من البرد النافذ إلى صدورهم وأجسامهم من كل الجهات، كذلك طاولات الخُبز الشحيح المخبوز باجتهاد السيدات الفُضليات من ربات البيوت والأمهات المُكافحات، وجراكن المياه الصغيرة، والحيل المُبتكرة للاستحمام والوضوء بأدوات بيئية خلقتها الضرورة والحاجة الماسة لنظافة الأبدان وتجنب الأمراض المُعدية. كما أن المخرج يوسف خطاب نجح في توظيف الكاميرا لتسجيل يوميات أهل غزة ومُعاملاتهم في سوق الخُضار، حيث شراء مُستلزمات الأكل والشرب، وما يُمكن طهيه بأسهل الطُرق وأيسرها، ولم يفوته استعراض الأسعار والأثمان في مشهد بالغ الدلالة، من خلال مُساجلات دارت بين البطل أبو شالة وأحد الباعة حول نوعية الخضار والفاكهة، والثمن المُستحق لكل نوع، والفارق الشاسع بين إمكانيات المواطن المادية والسعر المعروض للسلع الأساسية.
كما انتقل بنا صاحب الوثيقة السينمائية إلى المقابر الجماعية، كأنه يرصد التباين بين حياتين، حياة المشغولين بقوت اليوم، والحياة الأبدية الأفضل للشهداء الذين أدوا رسالتهم، وفدوا الوطن بأرواحهم ودمائهم، كأعز وأغلى ما كانوا يملكونه. وبالقطع جاءت المُقارنة بين الواقعين والحالتين في صالح الشهداء، وفق السياق الإنساني ورسالة التضحية المُعلنة والجلية.
ثمة استعراض وافٍ لحياة المُحاصرين داخل قطاع غزة، بلا أي سُبل للحياة، لا كهرباء ولا ماء ولا دواء ولا غاز ولا وسائل اتصال ولا مركبات آمنه وسريعة للتنقل، غاية ما يُمكن الحصول عليه بشق الأنفس، قطع بالية من الملابس وعدد من أرغفة الخُبز وأطباق الحساء، يتم توزيعها عبر جمعيات الدعم والإغاثة الفلسطينية الأهلية، في طوابير تمتد لعدة أمتار! وأخيرًا يُنهي المخرج يوسف خطاب وقائع فيلمه التسجيلي التفصيلي المهم، بمشهد رئيسي عن رسالة يتم دفنها في باطن الأرض، لعل أحدًا من الأجيال الجديدة يعثر عليها بعد سنوات، فيعرف من خلالها ما جرى من تضحيات جسام ليبقى الوطن بخير، في إسقاط على انقطاع الصلة بين القطاع المُحتل في الوقت الراهن، والعالم الذي يصم أذنيه عن جرائم الإبادة الجماعية، فلا يسمع ولا يرى ولا يتكلم!
لكن لم يشأ خطاب أن تنتهي الأحداث عند هذا الحد، حتى لا يوصد أبواب الأمل في وجه المُتفائلين بمستقبل واعد، فيُعزز رؤيته بمشهد ختامي مع أغنية وطنية تُصاحب فرحة الجماهير بقرار وقف إطلاق النار، كبداية باعثه على التفاؤل بأن المقبل أفضل، رغم خرق إسرائيل للاتفاق وسعيها الدائم والدؤوب لتجديد التوتر واستئناف الحرب.