اوراق خاصة

السيادة اللبنانية بين وهم "النص القانوني الدولي" وحقيقة المقاومة الشعبية

post-img

حسن نعيم/كاتب وروائي

​على الرغم من التباين التاريخي الذي وسم مواقف القوى السياسية اللبنانية حيال الأطماع الإسرائيلية في بلدهم، إلا أن الموقف الرسمي بُعيد الاستقلال، في العام 1945، ظلَّ متمسكًا برفض قاطع لمشروعية قيام الكيان الصهيوني. مع أن بعض السرديات تشير إلى "ثقوب" تمثلت في شبكات تهريب نفعية عبر المرافئ، إلا أن هذه الممارسات بقيت في إطار الصفقات الفردية، ولم ترتقِ يومًا لتكون خيارًا سياسيًا للدولة التي حاولت المواءمة بين استقرارها الداخلي والتماهي مع المد القومي العربي.

المقاومة ضرورة سيادية

​ تبدو قراءة الحالة اللبنانية، بمعزل عن تجارب الشعوب الأخرى، ناقصة؛ فالتاريخ الحديث يثبت أن السيادة القانونية (الاعتراف الدولي) لم تكن يومًا كافية لحماية الأوطان ما لم تسندها سيادة فعلية على الأرض.

في فرنسا، على سبيل المثال، أبان الحرب العالمية الثانية، لم تحرر "شرعية" حكومة لندن الأراضي الفرنسية، "المقاومة الفرنسية" (La Résistance) هي فعلت ذلك؛ حين بدأت تشكّل حالًا شعبية خارج إطار مؤسسات الدولة المنهارة، ثم تحولت إلى ركيزة أساسية أعادت لدولة فرنسا سيادتها ومقعدها الدولي.

في فيتنام والجزائر، لم ينل هذان الشعبان استقلالهما بفضل موازين القوى القانونية في الأمم المتحدة، بل فرضه واقع ميداني مقاتل شرس أجبر المحتل على الانسحاب، حين كانت المقاومة هي الذراع الثقيلة التي مكّنت المفاوض السياسي من انتزاع السيادة.

​تحولات لبنان.. من التحرير إلى الانقسام البنيوي

​شكّل الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في العام 1982، منعطفًا حادًا؛ حين انقسم المشهد بين فريق تبنى خيار المقاومة كونها قدرًا وجوديًا، وفريق ارتهن لرهانات إقليمية ودولية. بيد أن هذا الانقسام تحول، بعد العام 2000، إلى شرخ بنيوي داخل أحشاء الدولة. إذ بدلًا من أن يكون التحرير فرصة لصهر "قوة المقاومة" في "جسد الدولة"، كما فعلت الأمم التي انتصرت، دخل لبنان في دوامة التشكيك في تعريف الدفاع وشرعية المقاومة: هل يُحصر بيد مؤسسات رسمية محدودة الإمكانات، أم يستند إلى التكامل بين الجيش والشعب والمقاومة؟

​المفارقة اللبنانية والدولة التي تخشى قوتها

​بينما تتجه الدول التي تتعرض لعدوان إلى بناء إجماع وطني وتعبئة الموارد والطاقات كافة، كما فعلت فيتنام في توحيد الجبهة الداخلية، سارت الأمور في لبنان نحو محاصرة عناصر القوة. لقد سمحت الدولة اللبنانية لسلطتها الرسمية الخضوع تحت وطأة الضغوط الدولية، تطالب المقاومة بالتخلي عن سلاحها، متجاهلةً أن هذا السلاح هو الذي منح الدولة "فعل السيادة" على أرضها؛ حين عجزت القوانين الدولية عن استعادة شبر واحد من جنوب لبنان المحتل.

​إن هذا الارتباك جعل الدولة تظهر أمام العالم كأنها "وسيط" لا "قائد"، ما أدى إلى:

  1. تآكل الردع الوطني: حيث يرى العدو في الانقسام الداخلي ثغرة مهمة للغاية للنفاذ منها.
  2. فقدان الثقة بالدولة: حين يشعر المواطن أن السلطة السياسية تسعى لنزع أوراق قوته< بدلًا من استثمارها في التفاوض.

​هل الدولة "هيكل" أم "إرادة"؟

​إن التجربة التاريخية للمقاومات العالمية، والتي عاشت تجارب مختلفة مريرة بالتضحيات حتى انتزعت النصر المحتم، تؤكد أن الدولة التي تتنصل من عناصر قوتها الميدانية بذريعة "الحياد" أو "الشرعية القانونية" المجردة، تنتهي لتصبح مجرد هيكل إداري تعصف به موازين القوى الدولية.

​من دون اعتراف شجاع بأن المقاومة هي استكمال لسيادة الدولة لا انتقاصًا منها، سيبقى الرد اللبناني الرسمي على أي عدوان مرتبكًا ومنقوصًا. إذ إن السيادة الحقيقية ليست مجرد نص في الدستور أو اعتراف في أروقة الأمم المتحدة هي القدرة الميدانية التي تحمي ذلك النص، وتمنحه معناه الواقعي بعيدًا عن أي وهم بدعم "دبلوماسي" و"دولي"، والمتواطئ حتى النخاع مع الرواية الصهيونية والاستكبار العالمي اللذين يريدان جعل شعوب العالم خدمًا تحت أقدامهم بعدما يسلبناها ثرواتها وممتلكاتها المحقة لها في أرضها وسيادتها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد