مفاوضات مع العبث

post-img

وائل قنديل/ العربي الجديد

يتساءل جمهور سيرك مفاوضات الموت العبثي بين العرب والكيان الصهيوني طوال الوقت: ماذا أخذنا من المقاومة، وماذا أخذت المقاومة منا. والإجابة حاضرة عندهم: أخذنا الاحتلال والقصف والدمار وأخذت منا الاستقرار والتنمية الاقتصادية.. هكذا بيقين منقوع في البجاحة يجري تبرير الرقصة المجنونة على موسيقى الروك المنبعثة من جنبات البيت الأبيض الأميركي.

هي إجابةٌ فاسدةٌ وباطلةٌ ومعلومٌ فسادها من الواقع بالضرورة، بدليل أن العيد الوطني الأكبر، في لبنان، عيد التحرير الذي احتفل به جمهور السيرك الأميركي قبل أيام ابن شرعي لمشروع المقاومة، ذلك المشروع الذي لولاه لما كان انسحاب العدو، وما كانت هناك في التقويم ذكرى سعيدة ترفع الرأس وتنعش الروح اسمها عيد التحرير.

المقاومة الوطنية، في كل أرض عربية من الجزائر ومصر وليبيا حتى فلسطين ولبنان قدمت للأوطان ما تستحقه من حرية واستقلال، وبالحد الأدني الإجتماع حول مشروع وطني يستنهض كل مكونات المجتمع، من تعليم وتصنيع وثقافة وإبداع، تنصهر كلها في حلم واحد للجميع، هو النضال من أجل الحرية.

لذلك يفرض المنطق أن يكون السؤال: ماذا أخذنا من المفاوضات؟ وماذا فعلت بنا بعد ما يقرب من ستة عقود من هذا المسار فيما خصّ القضية الأولى، المحورية والمركزية، للوطن العربي، قضية فلسطين؟ ماذا أخذنا من المفاوضات وماذا أخذت منا؟

لو بدأت من اللحظة الأقرب، لحظة اللقاءات الدافئة بين الحكومة اللبنانية والكيان الصهيوني برعاية أميركية ستجد أنه كلما أمعن لبنان الرسمي في التمسك بالمفاوضات والخصومة مع المقاومة، أمعن الاحتلال الصهيوني في صناعة نسخة من مأساة جنوب غزّة (خان يونس والمواصي ورفح) في الجنوب اللبناني، تدميرًا للجسور وهدمًا للبيوت وتهجيرًا للسكان من مدن كاملة وعشرات القرى. وأمعن كذلك في التوغل شمالًا مقتربًا من بيروت، إذ يعلن نتنياهو لشعب الاحتلال في اللحظة التي يحزم فيها لبنان الرسمي حقائبه مهرولًا إلى واشنطن، يعلن رئيس حكومة الكيان: عبرنا نهر الليطاني، ينطقها بفخر وينشرها الإعلام العربي بالخط الأحمر العريض على نحو يذكّر بعبور جيش مصر القناة ذهابًا إلى انتصار لم يكتمل في أكتوبر/ تشرين أول 1973.

لم يحرّك إعلان العبور الصهيوني في العمق اللبناني ضمير المهرولين باندفاعٍ مجنونٍ للمائدة الأميركية، فيعلنون تعليق السفر إلى المفاوضات أو تأجيله، لا نقول إلغاء لا سمح الله، لكيلا نتهم بالجنون من الذين يعدّون الأيام والساعات للتصالح مع العدو، والتخلص من سلاح المقاومة، وإعدام المقاومة ذاتها، بل على العكس لا تعدم أن تسمع ثغاءً استراتيجيًّا مخجلًا ينطلق من ستوديوهات التحليل، يقول إن نتنياهو يحاول، فقط، تعزيز مواقفه وتدعيم أوراقه الخاصة بالمفاوضات التي تستضيفها واشنطن، إذ بحسب قاموس السلام صار انتهاك الجغرافيا والاعتداء على الشرف الوطني يسمى "تحسين أوراق".

لا يريد هؤلاء أن يروا وجوهم في مرآة غزّة، ويواجهوا أنفسهم بالسؤال: كيف كانت أحوال غزّة قبل مجلس سلام ترامب وماذا أصبحت؟ هل توقف القتل والتوغل اليومي حتى صار أكثر من 60% من مساحة غزّة محتلة؟ هل عاد الناس إلى السكن في بيوت تليق بالبشر وودّعوا العراء؟ لا شيء من هذا حصل. لكننا تقرأ أن مصدرًا فلسطينيًّا مطلعًا رجح عودة وفد التفاوض التابع لحركة حماس إلى القاهرة بعد عطلة عيد الأضحى، لاستكمال مباحثات وقف إطلاق النار في غزّة ومناقشة النقاط العالقة في المرحلة الأولى من الاتفاق (العربي الجديد). وكأن هناك مرحلة أولى بالفعل أنجزت، ولم يتبق سوى نقاط عالقة... أي عبث!

مرّة أخرى، المفاوضات عند الاحتلال الصهيوني تعني منح جرائمهم في الإبادة والتمدّد والتهجير رخصة رسمية أميركية، ومن ثم عربية، لكي يكون من حقهم أن تطال أياديهم كل شارع وكل بناية عربية تسمع فيها أصوات ممانعة للتغوّل في الجغرافيا والتاريخ العربيين لإعادة تشكيلهما على مقاسات الشرق الأوسط الإسرائيلي، باعتبار هذا دفاعًا عن النفس، عند ترامب، وتحسينًا لأوراق التفاوض عند حكماء الرداءة والدونية والرخص الحضاري الذين يرون أن نجاة العرب في نزع الأسلحة وتطليق مفهوم المقاومة والتكيف مع متطلبات واشتراطات الكيان الصهيوني.

صيغة تشبه كثيرًا الدعوة إلى أن يتحول خمسمائة مليون مواطن عربي إلى خدم وعمالة رخيصة وأفراد حراسة منخفضة الأجر لأحلام الاحتلال وطموحاته، أو فلنعش كلابًا أفضل من أن نموت أسودًا، هكذا يريدنا العدو .

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد